فجرت رسوم تزفيت الطرق في مدينة الباب بريف حلب الشرقي موجة احتجاجات شعبية، بعدما وجد أصحاب المحال التجارية والسكان أنفسهم أمام مطالبات مالية تصل إلى مئات الدولارات، مع مهلة قصيرة للسداد وقرار بربط دفع الرسوم بإمكانية شحن بطاقات الكهرباء. ولم يكن الاعتراض على تحسين الطرق بحد ذاته، بل على طريقة فرض التكاليف، وغياب الشفافية، وافتقار الأهالي إلى معلومات واضحة تفسر كيف حُسبت المبالغ ومن يتحمل مسؤوليتها.
في 11 تشرين الأول 2026، نظم أصحاب محال وعقارات وقفة احتجاجية أمام الجامع الكبير، تلتها تحركات احتجاجية أخرى، رفضاً لرسوم بلغت، وفق التعرفة المعلنة، 190 دولاراً عن المتر الطولي من واجهة المحل التجاري و75 دولاراً عن المنزل. وتحدث أصحاب محال عن مطالبات وصلت إلى 600 و700 دولار، فيما اشتكى بعضهم من إلزامهم بالدفع خلال أسبوع، رغم الأضرار التجارية التي تكبدوها خلال أشهر تنفيذ المشروع.
وزاد الغضب مع مطالبة مستأجرين بتسديد رسوم عن عقارات لا يملكونها، في وقت بقيت فيه الأسس القانونية لتكليفهم موضع تساؤل. أما ربط شحن الكهرباء بتسديد المستحقات، فقد حول خلافاً مالياً وإدارياً إلى أزمة تمس خدمة أساسية، واضعاً المواطنين أمام ضغط لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف احتُسبت هذه الرسوم، وعلى أي أساس فُرضت؟
دفعت الاحتجاجات الإدارة إلى تقديم تنازلات جزئية؛ فأُعلن وقف ربط شحن الكهرباء بالرسوم، وخفض التعرفة إلى 150 دولاراً للمتر الطولي من واجهة المحل و60 دولاراً للمنزل، مع تمديد مهلة السداد وإتاحة التقسيط، وتحمل إدارة المنطقة 20% من قيمة الرسم. لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لم تُنهِ جوهر الاعتراض؛ إذ يرى الأهالي أن الرسوم ما زالت مرتفعة، وأن التخفيض لا يعوض غياب البيانات التفصيلية عن التكلفة الفعلية للمشروع وآلية توزيعها.
المشكلة إذاً لا تُحل بتخفيض الأرقام وحده. فمن حق السكان معرفة الكلفة الإجمالية للمشروع، وتفاصيل النفقات، وقرار المجلس الذي حدد التعرفة، والأساس القانوني لتكليف كل فئة بالدفع، ولا سيما المستأجرين. كما أن إعلان تعديلات إدارية لا يغني عن نشر الوثائق التي تتيح التحقق من سلامة الإجراءات وعدالتها.
إن تحسين البنية التحتية واجب خدمي، لكنه لا يمنح الجهات المحلية شيكاً على بياض لفرض أعباء مالية من دون شفافية كافية. وما تحتاجه مدينة الباب اليوم ليس تسهيلات في الدفع فحسب، بل كشف واضح للحسابات، وتحديداً للمسؤوليات، ومراجعة قانونية مستقلة للإجراءات. فحين تغيب المعلومات، يصبح التخفيض تهدئة مؤقتة، لا حلاً للأزمة؛ وتبقى ثقة الأهالي معلقة إلى أن تُقدم إجابات موثقة عن أسئلتهم.