لا يمكن التقليل من أهمية التعميم الصادر عن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بشأن تنظيم عمل معاصر الزيتون في طرطوس، فهو يتضمن ضوابط ضرورية تتعلق بأجور العصر، ومعايرة الموازين، ونسب الزيت المتبقي في مخلفات العصر، والشروط الصحية والبيئية. لكن المشكلة أن التعميم، رغم أهميته، لا يزال قاصراً عن معالجة جوهر الخلل الذي تكشفه شكاوى المزارعين والضبوط التموينية المنظمة بحق عدد من المعاصر.
فالمزارعون يشتكون من تفاوت ملحوظ في كميات الزيت المستخرجة بين معصرة وأخرى، حتى عندما يكون الزيتون من الأرض نفسها، والصنف نفسه، والكمية نفسها، وفي توقيت القطاف ذاته. وهذه الشكاوى لا يجوز التقليل من شأنها أو ردها تلقائياً إلى اختلاف طبيعة الثمار أو ظروف العصر، بل تستوجب تحقيقاً فنياً ورقابياً مستقلاً يحدد أين تذهب الفروقات في كميات الزيت.
صحيح أن غالبية المعاصر تسلم المزارع كشفاً يتضمن وزن الزيتون وكمية الزيت المستخرج ونسبة الاستخلاص وأجور العصر، لكن هذا الكشف، على أهميته، لا يشكل بحد ذاته ضمانة لصحة البيانات أو دليلاً على نزاهة العملية؛ فمن يراقب دقة الأرقام؟ ومن يتحقق من أن كامل الزيت المستخرج قد سُجل وسُلم لصاحبه؟
وتزداد خطورة هذه التساؤلات مع تسجيل ضبوط تموينية بحق معاصر، شملت مخالفات في الموازين ومسارات التشغيل، فضلاً عن مخالفات أظهرتها بعض العينات المخبرية. وهنا يصبح الربط بين شكاوى المزارعين والمخالفات المضبوطة ضرورة رقابية، لا مجرد مصادفة يمكن تجاهلها.
أما أبرز نواقص التعميم فتتمثل في غياب آلية مستقلة لقياس كفاءة الاستخلاص لكل معصرة، وعدم فرض اختبارات مقارنة دورية، وغياب نظام موحد للتحقق من الكميات الداخلة والخارجة، فضلاً عن عدم تحديد آلية واضحة وسريعة للبت في اعتراضات المزارعين.
إن ضبط المعاصر لا يكون بتوزيع التعميمات وتعليق التعليمات على الجدران، بل برقابة فعلية على ما يجري داخلها، ونتائج معلنة، ومحاسبة للمخالفين. فالمطلوب ليس مجرد تنظيم عمل المعاصر، وإنما ضمان ألا يتحول موسم الزيتون إلى فرصة لاستنزاف تعب المزارع وحقوقه تحت غطاء الأرقام والكشوفات الرسمية.t