أثار الإعلان عن مشاريع رقمنة السجلات الوطنية السورية، بتمويل من وزارة الخارجية الأمريكية وتنفيذ شركة «كرييتيف أسوشيتس إنترناشونال» تساؤلات مشروعة تتجاوز أهمية التحول الرقمي وتحديث الإدارة الحكومية، لتصل إلى جوهر السيادة الوطنية على المعلومات والبيانات.
فالمشروعان المعلنان لرقمنة سجلات الشركات والسجلات العقارية، بما يتضمنانه من إنشاء مراكز بيانات وأرشفة ملايين الوثائق وتطوير الخدمات الإلكترونية، يمثلان قطاعاً بالغ الحساسية، لأننا لا نتحدث عن أرشيف إداري عادي، بل عن سجلات ترتبط بحقوق الملكية والمصالح الاقتصادية والاستثمار والهوية القانونية للدولة والمواطنين.
لكن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه: هل كانت سورية تفتقر إلى تجربة سابقة في رقمنة هذه السجلات حتى تبدأ اليوم بمشاريع ممولة ومنفذة من الخارج؟
الحقيقة أن أتمتة السجل العقاري بدأت منذ سنوات، ونُفذت عبر مؤسسات وطنية رسمية، وبمشاركة الشركة السورية لتكنولوجيا المعلومات وكوادر محلية، وشملت أتمتة الصحائف العقارية والفهارس وقواعد البيانات. كما شهد قطاع الشركات مشاريع سابقة بالتعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة، أبرزها مشروع تطوير نافذة إلكترونية لتسجيل الشركات بين عامي 2022 و2024، وصولاً إلى إطلاق منصة حكومية لتأسيس الشركات إلكترونياً في عام 2026، فضلاً عن مشروع بنك المعلومات التجاري.
بالتالي، فإن المشروع الحالي يفترض أن يكون استكمالاً لما أُنجز سابقاً، وتطويراً للبنية البرمجية والتقنية القائمة، وتوحيداً لقواعد البيانات، ومعالجةً للثغرات والنواقص، وليس انطلاقاً من نقطة الصفر أو إعادة إنتاج مشاريع سبق إنجاز أجزاء مهمة منها، بما قد يؤدي إلى هدر المال العام والخبرات والاستثمارات الوطنية.
ومن حق الرأي العام أن يعرف ما الذي أنجزته المؤسسات السورية سابقاً؟ وما الذي سيضيفه المشروع الأمريكي تحديداً؟ وما مصير البرمجيات وقواعد البيانات والكفاءات الوطنية التي عملت على هذه المشاريع؟ ولماذا لا تُعرض دراسة فنية واضحة تقارن بين الواقع السابق والمستهدف الجديد؟
أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بأمن المعلومات والسيادة الرقمية. فالسجلات العقارية والتجارية والمدنية وسجلات المركبات ليست مجرد قواعد بيانات، بل ثروة وطنية ومعلومات سيادية لا يجوز التعامل معها باعتبارها مشروعاً تقنياً عادياً.
ومن هنا، فإن الإعلان عن إنشاء مراكز بيانات لا يكفي. المطلوب توضيح مكان استضافة البيانات، والجهة المالكة للخوادم، والجهة التي تديرها، ومكان حفظ النسخ الاحتياطية، وهوية الشركات المطورة للبرمجيات، وصلاحيات الوصول إلى قواعد البيانات، والجهة التي تمتلك مفاتيح التشفير وحقوق الملكية الفكرية والكود المصدري.
كما يجب ضمان ألا تتحول المساعدة التقنية إلى تبعية تشغيلية طويلة الأمد، أو يصبح الوصول إلى البيانات وإدارتها وصيانتها مرتبطاً بشركة أجنبية. فالبيانات الوطنية يجب أن تبقى تحت السيطرة القانونية والتقنية الكاملة للدولة السورية، وأن تخضع لمعايير صارمة للأمن السيبراني والخصوصية والتدقيق المستقل.
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الوثائق الممسوحة ضوئياً، ولا بعدد مراكز البيانات المنشأة، بل بقدرة الدولة على امتلاك بياناتها وإدارتها وحمايتها وتطويرها واستثمارها بنفسها.
ومن حق السوريين أن يعرفوا ماذا يملكون من بيانات، وأين تُحفظ، ومن يديرها، ومن يستطيع الوصول إليها. فالسيادة على السجلات الوطنية ليست تفصيلاً تقنياً في مشروع رقمنة، بل جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية نفسها.