قانون العمل لا يُكتب خلف الأبواب المغلقة
إنّ أي تعديل جوهري على قانون العمل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد عملية تشريعية تقنية، تقوم بها الجهات الحكومية والخبراء خلف الأبواب المغلقة، لأن قانون العمل في جوهره ليس مجموعة من المواد القانونية الجامدة، بل هو الإطار الذي ينظم العلاقة بين طرفين غير متكافئين في القوة الاقتصادية: العامل الذي يبيع قوة عمله من أجل تأمين معيشته، وصاحب العمل الذي يمتلك رأس المال ووسائل الإنتاج، ولذلك فإن الوصول إلى قانون عمل متوازن وعادل يقتضي أن يكون العمال أنفسهم، إلى جانب النقابات والحقوقيين وأصحاب الاختصاص، شركاء حقيقيين في صياغته ومناقشة مواده.
قانون العمل يحتاج لنقاش مجتمعي واسع
من هنا تبرز ضرورة نشر مسودة تعديل قانون العمل على الملأ، وإتاحتها للرأي العام قبل إحالتها إلى مراحل الإقرار النهائية، بحيث تتحول عملية التشريع من شأن مغلق إلى نقاش مجتمعي واسع، فالقانون الذي ينظم حياة ملايين العمال وأسرهم لا يمكن أن يكون نتاج رؤية طرف واحد، مهما كانت خبرته أو صلاحياته، وإنما يجب أن يكون ثمرة حوار اجتماعي حقيقي، تتقاطع فيه وجهات نظر العمال، وأصحاب العمل، والحكومة، والحقوقيين والباحثين، والخبراء الاقتصاديين.
إن نشر المسوّدة لا يعني تعطيل التشريع أو إطالة أمده بلا مبرر، بل يعني إعطاء القانون فرصة حقيقية للاختبار قبل صدوره، فكثير من المشكلات القانونية لا تظهر أثناء صياغة النصوص في المكاتب، وإنما تظهر عند تطبيقها في أماكن العمل والمحاكم ودوائر التأمينات والنقابات، والعامل الذي عاش تجربة الفصل، أو انخفاض الأجر، أو عدم احتساب ساعات العمل الإضافية، أو عدم تسجيله في التأمينات، والمحامي الذي تعامل يومياً مع المنازعات العمالية، والقاضي الذي واجه إشكالات تفسير النصوص، يمتلك كل منهم معرفة عملية، يمكن أن تكشف ثغرات قد لا تظهر في الدراسات النظرية.
ولذلك، إن نشر المسودة يجب ألا يكون إجراءً شكلياً يقتصر على وضعها على موقع إلكتروني ثم اعتبار المهمة منتهية، المطلوب هو فتح باب حقيقي لتقديم الملاحظات والاقتراحات، وتنظيم جلسات حوار في المحافظات والاتحادات والنقابات والجامعات، والاستماع إلى ممثلي العمال وأصحاب العمل والحقوقيين، كما ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة تبين ما هي المقترحات التي أخذت بها اللجنة المكلفة بالتعديل، وما هي التي رفضتها وأسباب الرفض.
لا للمشاركة الرمزية
والأهم، أن مشاركة العمال يجب ألا تكون مشاركة رمزية، فالعمال ليسوا مجرد الفئة التي سيطبق عليها القانون، وإنما هم أصحاب المصلحة الأساسيون فيه، وإذا كان الهدف المعلن من تعديل قانون العمل هو تطوير سوق العمل، وتحقيق الاستقرار وتشجيع الاستثمار، فإن حماية العامل ليست عقبة أمام هذه الأهداف، بل أحد شروط تحقيقها، فالاستثمار المستقر لا يقوم فقط على انخفاض تكاليف العمل، وإنما يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، وعلاقات عمل مستقرة، وقواعد تمنع التعسف والاستغلال وتحقق قدراً من التوازن بين طرفي العلاقة.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث، هو أن يتحول الحديث عن «مرونة سوق العمل» إلى مرونة في حقوق العمال وحدهم، فالمرونة الحقيقية ينبغي أن تكون متوازنة، بحيث لا تتحول العقود المؤقتة إلى وسيلة للتهرب من الاستقرار الوظيفي، ولا يصبح تسريح العامل أسهل من تأمين حقوقه، ولا تتحول الحاجة إلى جذب الاستثمار إلى مبرر لخفض الأجور، أو إضعاف الضمانات الاجتماعية. إن أي قانون عمل حديث يجب أن يوازن بين حاجة المنشآت إلى المرونة، وبين حق العامل في الأمان الوظيفي والأجر العادل وظروف العمل اللائقة.
قانون العمل يجب أن يعالج جميع أشكال العمل
كما أن القانون الجديد ينبغي أن يعالج بوضوح القضايا التي فرضتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، فشكل العمل تغير، وظهرت أنماط جديدة من التشغيل والعمل عن بعد، والعمل المؤقت، والعمل عبر المنصات، إلى جانب اتساع القطاع غير المنظم، وهذه القضايا تحتاج إلى نصوص واضحة تمنع وقوع فئات واسعة من العاملين خارج مظلة الحماية القانونية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحقوقيين والمحامين المتخصصين في قضايا العمل، فهؤلاء لا ينظرون إلى النصوص من زاوية نظرية فقط، بل يعرفون من خلال الممارسة اليومية، كيف يمكن أن يُساء تفسير النص، أو استخدام ثغراته للإضرار بحقوق العامل، ولذلك فإن إشراكهم منذ مرحلة إعداد المسوّدة يمكن أن يساهم في إنتاج قانون أكثر وضوحاً وأقل قابلية للتأويل المتناقض.
ولا يقل دور النقابات أهمية عن ذلك، فالنقابة ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل يفترض أن تكون أداة للدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للعمال. وبالتالي فإن مشاركتها في صياغة القانون يجب أن تكون فعلية، وأن تمتلك القدرة على تقديم المقترحات والملاحظات والتفاوض بشأن المواد التي تمس الحقوق الأساسية للعمال.
إن قانون العمل المتوازن لا يعني قانوناً منحازاً ضد أصحاب العمل، كما أنه لا يعني قانوناً يضع العامل فوق صاحب العمل. التوازن الحقيقي يعني الاعتراف بأن العلاقة التعاقدية بين العامل ورب العمل ليست متكافئة اقتصادياً، ولذلك يحتاج العامل إلى حماية قانونية تعيد قدراً من التوازن إلى هذه العلاقة، وفي المقابل، يحتاج صاحب العمل إلى قواعد واضحة ومستقرة تمنع الفوضى وتضمن حقوقه المشروعة.
بداية لفتح حوار وطني
من هنا، فإن نشر مسوّدة تعديل قانون العمل يجب أن يكون بداية لحوار وطني واسع حول مستقبل العمل والعمال في سورية، لا مجرد خطوة إجرائية تسبق صدور القانون، فالقانون الذي يُكتب بعيداً عن أصوات من سيطبق عليهم قد يكون قانوناً صحيحاً من الناحية الشكلية، لكنه يظل معرضاً لأن يكون بعيداً عن الواقع.
إن المطلوب اليوم ليس فقط تعديل مواد قانون العمل، وإنما بناء فلسفة تشريعية جديدة تقوم على الحوار الاجتماعي، واحترام العمل، وحماية الأجر، وضمان الحقوق النقابية، وتحقيق العدالة في إنهاء علاقة العمل، وتوسيع مظلة التأمينات والحماية الاجتماعية، ومواجهة أشكال الاستغلال الحديثة.
فإذا كانت الدولة تريد قانون عمل قادراً على الصمود لعقود، فعليها أن تتيح للعمال والحقوقيين والنقابات وأصحاب العمل فرصة المشاركة في بنائه، أما إصدار القانون دون نقاش عام، فقد يوفر نصاً جديداً، لكنه لن يضمن بالضرورة قانوناً أفضل.
إن أفضل قانون عمل ليس ذلك الذي تكتبه جهة واحدة بأفضل صياغة قانونية، وإنما ذلك الذي يشارك أصحاب المصلحة جميعاً في صياغته، ويخرج من حوار حقيقي يضع مصلحة العمل والإنتاج وحقوق العامل والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ميزان واحد.