Skip to main content

عندما يصبح الأجر عاجزاً عن إطعام العامل وأسرته!

 |  ميلاد شوقي  |  نقابات وعمّال

لم يعد السؤال الذي يشغل العامل اليوم هو: «كم يبلغ راتبي؟»، بل أصبح السؤال الأكثر واقعية وقسوة: «كم يوماً سيكفيني هذا الراتب؟»، وفي ظل التدهور المستمر في القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات، بات كثير من العمال يجدون أنفسهم أمام حقيقة مؤلمة: الراتب الذي ينتظرونه طوال شهر ينتهي في أسبوع، وربما في أيام قليلة منه، بينما تبقى بقية الشهر مفتوحة على الديون والاستدانة وتأجيل الاحتياجات الأساسية.

هذه ليست مشكلة في إدارة العامل لدخله كما قد يحاول البعض تصويرها، وليست نتيجة بالضرورة للإسراف أو سوء التخطيط، فعندما يصبح الدخل أقل بكثير من تكلفة الغذاء والسكن والنقل والطبابة والتعليم وسائر الضروريات، فإن المشكلة لا تعود في كيفية إنفاق الراتب، وإنما في أن الراتب نفسه فقد قدرته على أداء وظيفته الأساسية: تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للعامل وأسرته.
الأجر في أي نظام اقتصادي ليس مجرد مبلغ يدفعه صاحب العمل للعامل مقابل ساعات عمله، إنه الوسيلة الأساسية التي يحصل من خلالها العامل على حاجاته وحاجات أسرته، ولذلك فإن انهيار القيمة الحقيقية للأجر يعني عملياً تراجع مستوى معيشة الطبقة العاملة، حتى لو بقي الرقم المكتوب على قسيمة الراتب كما هو أو ارتفع قليلاً.


من راتب شهري إلى «دفعة أولى» للمعيشة


حين يستلم العامل راتبه، تكون أمامه قائمة طويلة من الالتزامات التي لا يمكن تأجيلها: أجرة المنزل، فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات، تكاليف النقل إلى مكان العمل، الغذاء، الدواء، مستلزمات الأطفال، الأقساط والديون، إضافة إلى مصاريف طارئة لا يمكن التنبؤ بها.
وفي هذه الحالة قد يذهب الجزء الأكبر من الراتب خلال الأيام الأولى، ليس على الكماليات، بل على الضروريات. وبعد ذلك يبدأ العامل مرحلة جديدة من الشهر، يحاول خلالها تدبير حياته بالاستدانة، أو الشراء بالدين، أو طلب المساعدة من الأقارب والأصدقاء، أو تقليص كمية ونوعية الطعام، أو تأجيل زيارة الطبيب وشراء الدواء، أو التخلي عن احتياجات أساسية لأطفاله.
وهنا يتحول الراتب من وسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى مجرد «دفعة أولى» لا تكفي للوصول إلى نهاية الشهر.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع يخلق دائرة متواصلة من الفقر والاستدانة، فالعامل يقترض لتغطية النصف الثاني من الشهر، ثم يأتي الراتب التالي فيسدد جزءاً من الدين، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى الاقتراض من جديد، ومع مرور الوقت يصبح جزء من أجره المستقبلي مستهلكاً مسبقاً، ويجد نفسه يعمل شهراً كاملاً من أجل تسديد احتياجات نشأت في الشهر السابق.


العامل يعمل أكثر.. ويحصل على حياة أقل


المفارقة الأكثر قسوة، أن العامل لا يحصل على هذه الأجور من دون مقابل، إنه يبيع جزءاً كبيراً من وقته وجهده وقدرته على العمل، يقضي ساعات طويلة في مكان العمل، ويتحمل تكاليف النقل والإرهاق والضغط النفسي والجسدي، ثم يعود إلى منزله ليكتشف أن ما حصل عليه مقابل هذا الجهد لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته الأساسية.
وبذلك يصبح انخفاض الأجر الحقيقي شكلاً من أشكال إفقار العمل نفسه
فالعامل الذي لا يستطيع تأمين غذاء مناسب لأسرته، أو علاج مرض أحد أفرادها، أو تعليم أطفاله بصورة لائقة، لا يمكن القول: إنه يحصل على أجر يضمن له حياة كريمة، مهما كان الرقم المدون في عقد العمل أو كشف الراتب، والأجر العادل لا ينبغي أن يقاس فقط بالحد الأدنى القانوني، أو بالمبلغ الذي يستطيع صاحب العمل دفعه، وإنما بقدرته الفعلية على تأمين مستوى معيشة إنساني للعامل وأسرته.


ماذا يعني أن ينتهي الراتب خلال أسبوع؟


انتهاء الراتب خلال أسبوع ليس مجرد عبارة شعبية لوصف الغلاء، إنه مؤشر اقتصادي واجتماعي بالغ الدلالة، فإذا كان العامل ينفق معظم دخله خلال الأيام الأولى على الطعام والسكن والنقل والدواء، فهذا يعني أن دخله أصبح منفصلاً عن تكاليف الحياة الفعلية، وإذا اضطر بعد ذلك إلى الاستدانة، فإن أجره لم يعد يوفر له الاستقلال الاقتصادي، بل يدفعه إلى الاعتماد المستمر على الآخرين.
والنتيجة لا تتوقف عند العامل وحده، فالفقر الذي يصيب الأسرة العمالية ينعكس على الأطفال ومستوى تعليمهم وصحتهم وغذائهم، وعلى قدرة الأسرة على مواجهة المرض أو البطالة، أو أي طارئ اقتصادي، كما أن انخفاض الأجور يدفع العمال إلى البحث عن عمل إضافي بعد انتهاء دوامهم، فيعمل العامل في وظيفتين أو أكثر، أو يمارس أعمالاً جانبية في المساء والعطل. وبدلاً من أن يكون وقت الراحة ضرورياً لاستعادة طاقته، يتحول إلى وقت إضافي للبيع في سوق العمل، وهكذا يجد العامل نفسه أمام معادلة قاسية: لكي يعيش، عليه أن يعمل أكثر؛ وكلما عمل أكثر، أصبح أكثر إنهاكاً؛ وكلما ازداد الإنهاك، تراجعت جودة حياته وصحته وقدرته على الاستمرار.


الأجور ليست قضية العامل وحده


من الخطأ التعامل مع قضية الأجور باعتبارها شأناً خاصاً بين العامل وصاحب العمل، فالأجور المنخفضة قضية اقتصادية واجتماعية عامة، فالعامل الذي لا يحصل على دخل كافٍ لا يستطيع أن يكون مستهلكاً فعالاً، ولا يستطيع الإنفاق إلا على الضروريات، ما يضعف حركة السوق والإنتاج، كما أن تدهور مستوى معيشة العمال يؤدي إلى اتساع الفقر والتفاوت الاجتماعي، ويزيد الاعتماد على المساعدات والدين والعمل غير المنظم.
ومن هنا فإن تحسين الأجور ليس عبئاً اجتماعياً فقط، بل هو جزء من أي سياسة اقتصادية جادة تهدف إلى تنشيط الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة، والمطلوب ليس زيادات اسمية متكررة تلتهمها الأسعار بعد فترة قصيرة، وإنما سياسة أجور مرتبطة بالقدرة الشرائية الحقيقية، بحيث يستطيع العامل أن يلمس أثر الزيادة في حياته اليومية.


المطلوب أجر يكفي للحياة لا للبقاء


لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم الأجر نفسه، فالعامل لا يطلب راتباً يسمح له بالترف، بل دخلاً يستطيع من خلاله تأمين الغذاء والسكن والنقل والصحة والتعليم وسائر الاحتياجات الأساسية لأسرته، والفرق كبير بين أن يحصل العامل على راتب «يكفيه» بالكاد عدة أيام، وبين أن يحصل على أجر يتيح له أن يعيش شهراً كاملاً دون أن يتحول إلى مدين.
إن الراتب الذي ينتهي في أسبوع لا يمكن اعتباره مجرد مشكلة مالية عابرة. إنه علامة على اختلال عميق في العلاقة بين قيمة العمل وتكلفة الحياة، والعامل الذي يعمل شهراً كاملاً ثم يعيش بقية الشهر على الديون لا يحتاج إلى نصائح عن الاقتصاد في الإنفاق بقدر ما يحتاج إلى أجر عادل وسياسة اقتصادية تحمي قدرته الشرائية.
فالمعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة للأجور ليس ارتفاع الرقم المكتوب على قسيمة الراتب، وإنما عدد الأيام التي يستطيع العامل أن يعيشها بهذا الراتب، ونوعية الحياة التي يستطيع أن يوفرها لأسرته، وحين يصبح الراتب قادراً على الوصول بالعامل إلى نهاية الشهر دون إذلال، أو استدانة، أو حرمان من الضروريات، عندها فقط يمكن القول: إن الأجر أدى وظيفته الاجتماعية والاقتصادية، أما أن يعمل العامل شهراً كاملاً وينتهي راتبه خلال أسبوع، فهذه ليست حياة كريمة، بل مجرد استمرار في البقاء على حساب الإنسان ووقته وصحته وكرامته.