زيادة الرواتب ضرورية لكنها لم تعد حلّاً وحدها
لطالما كانت زيادة الرواتب تُطرح بوصفها الحل الأكثر مباشرة لتحسين أوضاع العمال والموظفين، فحين ترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية، يبدو رفع الأجور إجراءً بديهياً لتعويض العامل عن خسارته، لكن في الاقتصاد السوري، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً، إذ إن زيادة الراتب إذا لم تترافق مع إجراءات اقتصادية أخرى، قد تتحول من حل لأزمة الأجور إلى حلقة جديدة في أزمة الأسعار.
المشكلة الأساسية ليست في زيادة الرواتب بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تتم بها الزيادة، والبيئة الاقتصادية المحيطة بها، فإذا حصل العامل على زيادة في دخله، بينما استمرت أسعار الغذاء والنقل والسكن والطاقة والخدمات في الارتفاع، فإن الزيادة سرعان ما تفقد قيمتها، وقد يجد العامل نفسه بعد أشهر قليلة أمام المستوى المعيشي ذاته، رغم أن الرقم المكتوب على قسيمة راتبه أصبح أكبر.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي، فالأجر الاسمي هو: المبلغ الذي يتقاضاه العامل. أما الأجر الحقيقي فهو: ما يستطيع شراءه بهذا المبلغ. فإذا ارتفع الراتب بنسبة معينة، وارتفعت الأسعار بنسبة أكبر، فإن العامل يكون قد خسر جزءاً من قدرته الشرائية، رغم حصوله على زيادة.
المشكلة الأخرى، أن الزيادة العامة في الأجور قد لا تكون مستدامة، إذا لم تستند إلى نمو في الإنتاج والدخل الحقيقي للاقتصاد، فزيادة الكتلة النقدية المخصصة للأجور، من دون زيادة مقابلة في إنتاج السلع والخدمات، قد تضيف ضغوطاً جديدة على الأسعار، وعندها تدخل الزيادة في دائرة مفرغة:
ترتفع الأجور، فترتفع الأسعار، فتتراجع القدرة الشرائية، ثم يُطالب العامل بزيادة جديدة.
لكن ذلك لا يعني أن رفع الأجور غير ضروري، على العكس، فإن انخفاض الأجور إلى مستويات لا تسمح للعامل بتأمين احتياجاته الأساسية يجعل زيادة الدخل ضرورة اجتماعية واقتصادية، غير أن المطلوب هو:
ليس فقط إعادة بناء سياسة الأجور، بل إعادة النظر بالنموذج الاقتصادي المعتمد بدل الاكتفاء بقرارات رفع الرواتب.
ويبدأ ذلك بربط الأجور بمؤشرات واضحة لتكاليف المعيشة، ومراجعتها بصورة دورية، بالتوازي مع سياسات للحد من ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل والطاقة والخدمات، كما ينبغي أن تترافق زيادة الأجور مع دعم الإنتاج، وخلق فرص عمل مستقرة، ومكافحة الاحتكار والتهرب الضريبي، وتحسين الحماية الاجتماعية.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن العامل يحصل على راتب قليل فحسب... بل في أن قيمة هذا الراتب تتآكل باستمرار، لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كم ستكون الزيادة؟ بل: كم سيبقى من هذه الزيادة في جيب العامل بعد ارتفاع الأسعار؟
فالراتب الذي يرتفع رقمياً بينما تنخفض قدرته على شراء احتياجات الأسرة، لا يمثل تحسناً حقيقياً في مستوى المعيشة، وما يحتاجه العامل ليس مجرد رقم أكبر على ورقة الراتب، بل أجراً يحافظ على قيمته، ويضمن له حياة أكثر استقراراً وكرامة، وهذا يقتضي اعتماد العدالة الاجتماعية كنموذج اقتصادي، وليس الاقتصاد الحر كما تُروج له السلطة الحالية.