هل لدينا نقابات عمال حقيقية أم مجالس للعلاقات العامة؟!
ماذا ينتظر العامل من نقابته؟ أن تدافع عن أجره، وشروط عمله، وأمانه الوظيفي، وأن تكون طرفاً حقيقياً في التفاوض حول مستقبله، لكن حين يتحول النشاط النقابي إلى حضور في الاجتماعات، والمشاركة في المعارض، وتنظيم الندوات، واستقبال الوفود، وإصدار البيانات يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً قائماً:
متى تجلس النقابة إلى طاولة التفاوض من أجل أجر العامل؟
فمن يتابع أخبار الاتحاد العام لنقابات العمال لا يلاحظ سوى أخباراً عن اجتماعات، وزيارات، وتبادل الوفود مع الدول المجاورة، والتقاط الصور التذكارية، والمشاركة بمعارض واجتماعات خارجية. حتى الاتحاد نفسه لم يعلن أنه مثلاً أصدر تقريراً- ولو مرة واحدة- عن أحوال الطبقة العاملة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، ولم يقدم ولو مذكرة احتجاج للحكومة رداً على رفعها أسعار الطاقة والغذاء، وتسريح عشرات الآلاف من العمال والموظفين، أو يقدم تقريراً دورياً عن نشاطاته داخل المعامل، ولقاءاته مع العمال، أو يقدم لنا نموذجاً حيّاً:
كيف استطاع حل مشكلة ما للطبقة العاملة، ولو صغيرة داخل أي منشأة؟!
المشكلة، بالتأكيد ليست في المعارض والندوات والاجتماعات بحد ذاتها؛ فهذه أدوات مشروعة للعمل النقابي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الوظيفة الأساسية للنقابة: وهي تمثيل العمال والدفاع عن مصالحهم، خاصة أن السلطة الحالية تعلن صراحة عن خططها الاقتصادية، وعن اعتمادها الاقتصاد الحر، مما يعني مزيداً من الإفقار للطبقة العاملة.
فالعامل لا يستطيع أن يدفع فاتورة الكهرباء ببيان نقابي، ولا أن يشتري الخبز من محضر اجتماع، ولا أن يعالج تآكل راتبه بالمشاركة في ندوة حول الواقع الاقتصادي، ما يحتاجه هو جهة قادرة على تحويل مطالبه إلى قوة تفاوضية حقيقية.
التفاوض الجماعي، هو أحد أهم الأدوات التي يمكن للنقابات استخدامها للدفاع عن الأجور وشروط العمل، فبدل أن يذهب العامل منفرداً إلى صاحب العمل مطالباً بزيادة راتبه، تتولى النقابة التفاوض باسم آلاف العمال، مستندة إلى معلومات عن تكاليف المعيشة والإنتاج والأجور والأرباح، عندها يصبح العامل طرفاً في المعادلة، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
لكن الوصول إلى هذا الدور يتطلب أكثر من وجود هيكل نقابي، يحتاج إلى نقابة تمتلك القدرة على جمع المعلومات، وقياس تكاليف المعيشة، وإعداد الدراسات، والتفاوض، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات، والأهم:
أن تكون قادرة على التعبير عن مصالح العمال بوضوح.
كما يتطلب الأمر، إعادة النظر في مفهوم العمل النقابي نفسه، فالنقابة التي تنشغل بالنشاط البروتوكولي أكثر من انشغالها بمستوى الأجور، تفقد تدريجياً صلتها بالسبب الذي دفع العمال إلى التنظيم أصلًا.
والسؤال هنا: ليس ما إذا كان ينبغي إلغاء الندوات، أو المعارض، أو الاجتماعات؛
بل لماذا لا تكون هذه الأنشطة جزءاً من عمل أكبر هدفه تحويل القوة العددية للعمال إلى قوة تفاوضية؟
العامل لا يحتاج نقابة تظهر في الصور أكثر مما تظهر على طاولة التفاوض، يحتاج نقابة تستطيع أن تقول لصاحب العمل: هذا هو أجر العامل العادل، وهذه شروط العمل المقبولة، وهذه حقوقنا، وهذه آليات الوصول إليها.
أما إذا بقيت النقابة مجرد جهة للحضور والمشاركة والعلاقات العامة، فسيظل السؤال الساخر مشروعاً:
إذا كانت النقابة لا تفاوض على أجر العامل، فعلى ماذا تفاوض إذًا؟