Skip to main content

العمال في مصيدة العمل الشاق...

 |  ميلاد شوقي  |  نقابات وعمّال

تُشكل ظاهرة «ساعات العمل الطويلة مقابل أجور ثابتة» إحدى أقسى صور الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي التي يواجهها مئات الآلاف من العمال في سورية اليوم، ففي ظل الظروف الاقتصادية الخانقة وانعدام الفرص، يجد العامل السوري نفسه مضطراً للقبول بشروط عمل جائرة، لا تضمن له أدنى مقومات الحياة الكريمة، لتتحول ساعات العمل الممتدة إلى نزيف دائم لصحته وطاقته دون مقابل عادل.

​تتجلى هذه الأزمة بأوضح صورها في قطاع الخدمات، وتحديداً بين عمال المبيعات، وموظفي المطاعم، والعاملين في المجمعات التجارية (المولات)، يُمضي هؤلاء العمال ما بين 12 إلى 14 ساعة يومياً في الوقوف والخدمة المتواصلة، وغالباً ما يستمر العمل لسبعة أيام في الأسبوع، دون عطل أسبوعية منتظمة، أو إجازات مدفوعة الأجر. وفي المقابل، يتقاضون أجوراً ثابتة وضئيلة للغاية، فقدت قيمتها الشرائية أمام التضخم الهائل وارتفاع الأسعار، لتصبح هذه الأجور غير كافية لتبسيط الاحتياجات الأساسية للقمة العيش أو الإيجار.
​إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في ساعات العمل الشاقة أو ضآلة الأجر، بل في الغياب التام للمظلة القانونية التي تحمي هؤلاء العمال، تُدار معظم هذه القطاعات بعقود شفهية، أو غير مسجلة، مما يحرم العمال من التسجيل في التأمينات الاجتماعية، أو الحصول على تأمين صحي يغطيهم عند الإصابة أو المرض، كما يفتقرون لأي حماية ضد الفصل التعسفي؛ فالمطالبة بزيادة الأجر، أو تقليل ساعات العمل، تعني ببساطة: الاستغناء عن العامل، واستبداله فوراً بأحد آلاف الباحثين عن أي مصدر رزق، هذا الفراغ القانوني وغياب الرقابة التموينية والعمالية جعل أصحاب العمل في موقع السلطة المطلقة، يفرضون الشروط ويتحكمون بالمصير دون رادع.
​يبلغ عدد العاملين في هذه الظروف الآلاف، معظمهم من الشباب والجامعيين الذين دفعهم الفقر والحاجة إلى القبول بهذا الواقع المرير، إن استمرار هذا الوضع لا ينهك جسد العامل ونفسيته فحسب، بل يكرّس نمطاً من «العبودية الحديثة» التي تسلب الإنسان كرامته وحقه في حماية قانونية، وتكافؤ للفرص.
​إن إنقاذ هذه الفئة الواسعة يتطلب تدخلاً عاجلاً لتفعيل قوانين العمل، وتكثيف الرقابة الميدانية على المنشآت الخاصة والمولات والمطاعم، وفرض حد أدنى للأجور يتناسب مع المعيشة، إلى جانب إلزامية التسجيل التأميني لتوفير بيئة عمل عادلة، تحفظ للعمال حقوقهم وكرامتهم.