التأمين الصحي للعامل: من الامتياز المؤجل إلى الحق الضروري
في الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العامل السوري، لم يعد التأمين الصحي ترفاً، أو امتيازاً يمكن تأجيله إلى حين تحسن الأوضاع الاقتصادية، بل أصبح جزءاً أساسياً من الحماية الاجتماعية التي يحتاجها العامل وأسرته، فالعامل الذي يعيش بدخل محدود، ويواجه ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل، قد يجد نفسه أمام عبء أكبر بكثير عندما يتعرض لمرض، أو إصابة تحتاج إلى علاج طويل، أو عملية جراحية.
المشكلة، أن المرض لا ينتظر تحسن الراتب، والأمراض لا تسأل العامل إن كان يملك مدخرات، وقد تؤدي حالة صحية طارئة إلى استنزاف دخل الأسرة خلال أيام، أو دفعها إلى الاستدانة، أو تأجيل العلاج، وهو ما يُحوّل المرض من مشكلة صحية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية.
لذلك، فإن توفير تأمين صحي فعّال للعمال يجب أن يصبح أولوية عاجلة ضمن أي سياسة للحماية الاجتماعية، والمقصود هنا ليس مجرد بطاقة تأمين، أو شبكة أسماء على الورق، وإنما نظام يستطيع العامل استخدامه فعلياً عندما يحتاج إلى الطبيب، أو الدواء، أو المستشفى.
ويمكن البدء بصورة عاجلة من خلال إنشاء برنامج تأمين صحي تدريجي للعاملين، يبدأ بالفئات ذات الدخل المنخفض، والعمال الأكثر تعرضاً للمخاطر المهنية، ثم يتوسع تدريجياً ليشمل بقية العمال وأسرهم، ويمكن تمويله من مساهمات مشتركة بين العامل وصاحب العمل والدولة، مع إعفاءٍ، أو تخفيض مساهمة العمال ذوي الأجور الأدنى.
كما يمكن الاستفادة من المؤسسات القائمة أصلًا في مجال الضمان والحماية الاجتماعية، بدل إنشاء هياكل إدارية جديدة ومكلفة، والمطلوب هو توحيد الجهود وربط قواعد بيانات العاملين، وتنظيم آلية واضحة لتسجيل العمال، وضمان حصولهم على الخدمة دون إجراءات معقدة.
أما التغطية الصحية، فينبغي أن تبدأ بالأكثر ضرورة: المعاينات الطبية، والأدوية الأساسية، والتحاليل، والصور الشعاعية، والطوارئ، والعمليات الجراحية الأساسية، وعلاج إصابات العمل والأمراض المزمنة، وبعد تثبيت النظام وتمويله، يمكن توسيع نطاق الخدمات تدريجياً.
ومن الضروري أيضاً أن تكون هناك شبكة من المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات المتعاقدة، بحيث لا يضطر العامل إلى دفع التكلفة كاملة ثم انتظار استردادها، لأن ذلك قد يجعل التأمين عديم الفائدة بالنسبة لمن لا يملك المال أصلاً.
والأهم، أن يكون النظام شفافاً وخاضعاً للرقابة، مع تحديد واضح للخدمات المغطاة، وآليات للشكاوى، ومنع الاستغلال ورفع الأسعار بصورة غير مبررة.
إن التأمين الصحي لا يحمي العامل من المرض فقط، بل يحمي أسرته من الانهيار المالي عندما يقع المرض، ولذلك فإن إنجاز هذا الملف لا يحتمل انتظار إصلاح اقتصادي شامل؛ يمكن البدء بخطة تدريجية وفئات مستهدفة وتمويل واضح، ثم توسيعها مع الوقت.
العامل الذي يذهب إلى عمله كل صباح يجب أن يعرف أن إصابته أو مرضه لن يحوّلا أسرته إلى ضحية جديدة للفقر، وهذه ليست منحة تقدم للعامل، بل جزء من الأمان الاجتماعي الذي ينبغي أن يرافق حقه في العمل.