تعديل قانون العمل.. مرونة لأصحاب العمل... أم حماية للعمال؟
تفتح مساعي تعديل قانون العمل رقم 17 لعام 2010 باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل الحقوق العمالية في سورية، خصوصاً مع طرح «مرونة سوق العمل» هدفاً لتحديث التشريعات وتحفيز الاستثمار. لكن المرونة، إذا تحولت إلى تسهيل التوظيف الهش، وإنهاء العقود، وتقليص الالتزامات المترتبة على أصحاب العمل، فلن تكون إصلاحاً لسوق العمل، بل إعادة توزيع لمخاطر الأزمة الاقتصادية على حساب العمال.
إن المطلوب، ليس قانوناً يجعل العامل أكثر قابلية للاستبدال، بل تشريعاً يضمن العمل اللائق، والاستقرار الوظيفي، والأجر الذي يصون الكرامة. وهذا يبدأ بربط الحد الأدنى للأجور بتكاليف المعيشة، ومراجعته دورياً وفق آلية معلنة، وإقرار تعويضات فعلية عن غلاء الأسعار، مع فرض عقوبات رادعة على تأخير الأجور، أو حجبها.
ويقتضي الإصلاح: إلزام أصحاب العمل بتسليم العامل نسخة موثقة من عقده، وتحديد الأجر وساعات العمل والإجازات بوضوح، ومنع تعديل الشروط الأساسية من طرف واحد، واشتراط بيان سبب الفصل في الحالات التي يحددها القانون، وضمان التعويض العادل عن الفصل غير المشروع. كما يجب إخضاع أنماط العمل الجديدة والمنصات الرقمية للحماية القانونية، لا ترك العاملين فيها رهائن لعلاقات تشغيل ملتبسة تتهرب من المسؤولية.
ولا تكتمل الحماية من دون تسجيل جميع العمال المستحقين في التأمينات الاجتماعية، وتسوية فترات العمل غير المسجلة، وتعزيز التفتيش والسلامة المهنية، وتوفير آليات سريعة وميسرة للشكاوى والتقاضي. كذلك ينبغي حماية التنظيم النقابي وتوسيع التفاوض الجماعي، وضمان مشاركة ممثلي العمال الفعلية في صياغة القانون ومراقبة تطبيقه.
أما المحذور الأكبر، فهو أن تُستخدم المرونة ذريعة لتوسيع العقود المؤقتة، وإضعاف ضمانات العامل، وتخفيف التزامات أصحاب العمل، من دون ضمانات مقابلة للأجور والتعويضات والأمن الوظيفي. فخلق فرص العمل لا يبرر تحويلها إلى فرصٍ هشة بلا حقوق.
إن معيار نجاح تعديل القانون رقم 17 ليس مقدار المرونة التي يمنحها لأصحاب العمل، بل مقدار الحماية التي يضمنها للعامل. لذلك يجب نشر المسوّدة كاملة، وإخضاعها لنقاش عام، وإعلان مصير المطالب النقابية بوضوح. فقانون العمل ليس امتيازاً للمستثمر، ولا عبئاً ينبغي التخلص منه؛ إنه ضمانة اجتماعية لا يستقيم الاستثمار من دون احترامها.