تحوّلت تهديدات واشنطن لإيران والحديث المتكرر عن توجيه ضرباتٍ، أو تصعيدٍ جديد إلى جزءٍ من «روتين الحرب» مع أن أي ضرباتٍ جديدة مثل التي شهدناها حتى الآن لن تغير الكثير! فالثابت، أن واشنطن تستطيع بالطبع توجيه ضرباتٍ لإيران، لكن أثر هذه الضربات لن يكون كافياً لهزيمة إيران، بل يمكن أن تكون تداعيات التصعيد أكبر على واشنطن نظراً لامتلاك إيران بنك أهدافٍ واسع ومؤثر.
الاحتمالات التي يجري تداولها، سواء كانت توجيه ضربات كثيفة لبضعة أيام، أو توجيه ضربة استعراضية يجري تقديمها بوصفها «ضربةً قاضية» لن تحل المشكلة، فالجمهور الأمريكي، أو في مناطق أخرى من العالم، يتأثر بالإعلام ويبني جزءاً من قناعاته بحسب ما يُضخ عبر الوكالات، لكن الحرب تؤثر بشكلٍ مباشرٍ وملموس على جميع جوانب الحياة في غرب آسيا والعالم، ففي مسرحها الأساسي هناك توتر واضطرابات أمنية وعسكرية، مع ضربات متبادلة متكررة تضع المنطقة في حالة حرب، وعلى المستوى العالمي يكفي اضطراب أسواق الطاقة وأسعار النفط المرتفعة، لإدراك حجم التأثير الذي لن يستثني أصغر مزارع في أبعد نقطة!
الوصف العام السابق ليس مرحلة مؤقتة... بل سِمة لفترة ممتدة قادمة، وإن كان تثبيت شدّة الحرب، أو التحكم فيها ممكناً يظل التحكّم بتداعياتها مسألة أخرى، وخصوصاً، إن تحدّثنا عن حرب أخرى تدور في أوروبا، سيكون لنتائجها تأثيرات كبرى على العالم الذي نعرفه.
الغرب يخسر عسكرياً على جبهتين، وإن لذلك تداعيات سياسية كبرى، ولم تعد المسألة موضع نقاش بقدر ما تحوّلت إلى عامل ضاغط لإيجاد وخلق البدائل التي ستغير عدداً كبيراً من الثوابت التي نعرفها، فإن اضطراب ممرات التجارة البحرية مثلاً، تحوّل إلى عامل لتنشيط كل
مشاريع التي كانت تتطور بشكلٍ طبيعي في أوراسيا، لكنّها اليوم باتت خياراً استراتيجياً لم يعد بالإمكان تجاهله أو تأجيله، وما نقصده هنا هو علاج التشوّهات الكبرى في البنية التحتية للتجارة في هذه المنطقة الحيوية، والابتعاد عن الطرق التي يسيطر عليها الغرب ويتحكّم بها. فمثلاً : تعتمد التجارة بين الهند وروسيا بشكلٍ أساسي على طريق النقل البحري، عبر قناة السويس الذي يمتد إلى 16000 كم بينما هناك طريق بري يجري تطويره، يصل بين سانت بطرسبرغ ومومباي بطول 7200 كم! هذا المثال- وإن كان بسيطاً- يعكس كيف جرى تشكيل العالم على مقياس محدد يخدم طرفاً واحداً بينما تحتاج دول الجنوب اليوم لإعادة النظر بكل «المسلمات» وتقديم رؤى وبدائل جديدة تعبّر فعلاً عن مصالحهم.