تتحرك الصين بصورة متزايدة لاحتواء التوترات المتصاعدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في تحرك يتجاوز الوساطة التقليدية إلى محاولة بناء حضور دبلوماسي قادر على التأثير في التوازنات الأمنية للمنطقة. وتزامنت جولة المبعوث الصيني الخاص تشاي جون إلى إيران وعُمان والسعودية مع تحركات مبعوثين صينيين في إثيوبيا وجيبوتي ومصر وإريتريا، بما يعكس رؤية تربط أمن الشرق الأوسط باستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وتزايد المخاوف من انتقال الصراع الإقليمي إلى البحر الأحمر، بما يهدد واحداً من أهم الممرات التجارية التي ترتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية الصينية. لذلك لا تبدو بكين معنية فقط بإطفاء الأزمات القائمة، بل بمنع تحولها إلى صراعات أوسع يصعب احتواؤها.
وتطرح الصين نفسها في هذا المسار باعتبارها طرفاً يدفع نحو الحوار من دون تقديم نفسها بديلاً عن دول المنطقة. فموقفها يركز على احترام السيادة وسلامة الأراضي، وتهيئة الظروف للحوار، ودعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية في إنتاج حلول تنطلق من المنطقة نفسها.
وتملك بكين أوراقاً مهمة تجعل حضورها مختلفاً عن الوساطات الغربية، أبرزها ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الواسعة مع دول القرن الأفريقي، فضلاً عن أن خطابها السياسي أقل ارتباطاً بشروط التدخل السياسي وفرض رؤى ومخططات جاهزة مسبقاً تفرض فرضاً على دول المناطق وعادة ما تكون مرتبطة بأجندات ومصالح الدول الغربية.
والتحرك الصيني يواجه صعوبات كبيرة، إذ تتداخل النزاعات الحدودية والحسابات الإثيوبية والإريترية ومصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. ومع ذلك، فإن اتساع الدور الصيني يكشف تحولاً مهماً: بكين لم تعد تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره ساحة اقتصادية فقط، بل باعتباره جزءاً من معادلة أمنية ودبلوماسية ترتبط بمكانتها العالمية.