نقابات وعمّال (5620)
انتشر يوم السبت على وسائل التواصل الاجتماعي منشور خاص بالمذكرة التي أرسلها المكتب التنفيذي المؤقت لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 9 شباط. ورغم تأخر الإعلان عنها لأسباب لسنا بصددها الآن فإنها تركت انطباعاً كبيراً عند العمال والموظفين الذين طالتهم القرارات الحكومية، أو الحذرين المترقبين الذين ما زالوا خارجها حتى الآن. والملفت في المذكرة ليس محتواها فقط، بل تاريخ الإعلان عنها، إذْ إنّه ترافق مع تصاعد الاحتجاجات العمّالية التي لم تتوقّف، والتي لا يبدو أنّها ستتوقف، كون أسباب نشوئها ما زالت قائمة. وبدأنا نرى بأنها تتصاعد ببطء، لكن بتنظيمٍ أعلى، ربّما هو الأوّل من نوعه منذ عقود ولَّتْ. وبالعودة لتوقيت الإعلان عن مذكّرة الاتحاد، فإنّنا نراه ضربةَ مُعلِّم (إجا بوقتو)، لأنّه حمّل مؤشراً على تقاربٍ طالَ انتظاره بين مطالب العمال والمنظمة العمّالية، هذا أولاً، وأمّا ثانياً؛ فقد أعطى انطباعاً أوّلياً برغبة النقابات في الانخراط بالمواجهة القائمة بين العمال والقرارات الحكومية، دون نأيٍ بالنّفس أو لعبِ دور الكومبارس. وكل ما ترجوه الطبقة العاملة اليوم أنْ تكون لهذه الإشارات المتتالية والبوادر الإيجابية تتمّة جدّية وخطوات لاحقة تليق بحجم المنظمة الكمّي والنّوعي ودورها بانتزاع حقوق الطبقة العاملة.
بصراحة .. الطبقة العاملة السورية أمام مخاض صعب ولكنها ستتجاوزه
Written by محمد عادل اللحامكثيراً ما كتبنا في جريدة قاسيون عن أوضاع الطبقة العاملة من حيث أجورها المتدنيّة جدّاً، وكثيراً ما كتبنا عن مجمل حقوقها المسلوبة بقوة الهيمنة وقوة القمع وقوة القوانين التي فُصِّلَتْ على مقاس قوى النهب لمنتوج عملها، والآن نرصد تحركاتها المختلفة بعد قرارات الفصل وإغلاق العديد من معامل القطاع العام وإرسال عمالها إلى الشارع لينضموا إلى جيش العاطلين عن العمل المتزايد عددهم مع تزايد تلك القرارات الجائرة بحقهم وحق معاملهم.
ما زالت تداعيات القرارات الصادرة بحق العاملين في القطاع العام، التي قامت بها حكومة تصريف الأعمال، مستمرة وتتصاعد يوماً بعد يوم، سواء داخل المؤسسات والمديريات والمعامل أو عبر الاحتجاجات الرمزية التي تخرج بشكل شبه يومي. وتبرز من جملة هذه التحرّكات نشاطٌ إلكتروني غزير عجّت به صفحات التواصل الاجتماعي بشكل عام، والفيسبوك بشكل خاص، على شكل منشورات وتعليقات وردود، تتحدّث عن مواقف أصحابها من إجراءات التسريح التعسفي لفئة من العمال، أو إنهاء عقودهم السنوية، أو إعطاء إجازات قسرية غير مفهومة لمدة زمنية تراوحت بين 15 يوم وثلاثة أشهر، وغيرها من الإجراءات الأخرى التي تشترك بكونها إجراءاتٍ غير قانونية، وغير مرتكزة على أسس ومعايير واضحة، أو أيّ ضوابط تحمي العمّال، وتحافظ على حقوقهم، وسنحاول في هذه المادة استعراض عيّنات من التعليقات الفيسبوكية العمّالية، التي يحاول من خلالها العمّال إيصال صوتهم ومعاناتهم للجهات المعنية للتوقّف عن محاربة العمّال بلقمة عيشهم، والتراجع عن كل القرارات الجائرة بحقّهم.
تعتبر البطالة آفة اجتماعية اقتصادية نشأت مع النظام الرأسمالي، بينما لم تكن هذه الآفة موجودة كما نعرفها اليوم في المجتمعات واقتصاديات ما قبل الرأسمالية. فالبطالة تعني عدم حصول الفرد على فرصة عمل، وذلك بالرغم من توفر قدرته على العمل والبحث المستمر عنه، وتنتج هذه الآفة عند اختلال التوازن في سوق العمل بين طالبي العمل وفرص العمل المتاحة في هذا السوق. وهي تنتشر بشكل أساسي بين فئات الشباب القادرين على العمل، وتعد البطالة من الآفات الكبرى والرئيسية التي تؤثر بشكلٍ سلبي على المجتمع.
عندما يتم الحديث عن البطالة ويجري ربطها بالاستثمارات الداخلية والخارجية، فإنّ أوّل ما يقفز لتفكيرنا اليوم ليس صحة هذا الربط ودور الاستثمارات القادمة بتشغيل أعداد هائلة من العمالة المعطَّلة قسرياً فحسب، بل ونوع هذه الاستثمارات والقطاعات. هذا أولاً، وأمّا ثانياً؛ فما هي ضمانات حقوق هؤلاء العمال بوظائفهم الجديدة وعلى رأسها قيمة الأجور؟ فحالة البطالة التي تفاقمت في المجتمع أضعفت ملايين الأيدي العاملة، ويخشى أن يتم استغلال هذا الضعف لتبخيس أجورهم وهضم حقوقهم قبل أن يشتغلوا أصلاً، فرأس المال لن يرحمهم وسيكون حريصاً على تشغيلهم بأقلّ الكلف في حال تمكَّنَ من ذلك، فكلُّ ما يهمّه بالأمس والغد مقدارُ الأرباح التي سيجنيها، وهذا أساساً ما سيجعله يستثمر وينتفع أو ينكفئ ويمتنع، ولطالما سمعنا من هنا أو هناك بأنَّ ميزة «العمالة الرخيصة» توضع بأعلى قائمة المغريات الجالبة للاستثمار الخارجي، ليكون حال لسان المسؤولين «تفضلوا أيها المستثمرون اليد العاملة عندنا رخيصة».
لعبت القرارات الصادرة في عهد الوحدة السورية المصرية المتعلِّقة بالحركة النقابية والطبقة العاملة دوراً مهمّاً في احتواء الحركة، ومصادرة دورِها المستقل، وتجريدها من عناصر القوة التي اكتسبتها الحركة في مجرى نضالها السياسي الوطني والطبقي، في مواجهة القوى الطبقية الأخرى المعبرة سياسياً عن مصالح الطبقة المهيمنة اقتصادياً.
الصراع كان واضحاً إلى حدٍّ ما بين قوة العمل الفتيّة وقوّة رأس المال الفتيّة أيضاً، استخدمت فيه الحركة النقابية والطبقة العاملة كلَّ الأسلحة السِّلمية المشروعة، من أجل انتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية، التي عملت قوة رأس المال على حرمان العمال منها بقوة القانون أحياناً، وبقوة القمع أحياناً أخرى، ولكن هذا الصراع أكّد جملة من القضايا الهامّة التي مكّنت الحركة النقابية والعمّالية من انتزاع العديد من المطالب والحقوق وهي:
- أنّ قوتها في وحدتها التنظيمية.
- استقلالية قرارها التام عن الأحزاب والهيمنة المفروضة.
- وضوح مطالبها، ومواقفها الوطنية العامة والخاصة.
- تبنّيها وممارستها لحقّها الشرعي بالإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي.
هذه القضايا مجتمعة جعلتها قوة أساسية في حياة البلاد السياسية والاقتصادية، مما يعني شدَّ الانتباه نحوها بضرورة احتوائها من قبل القوى البرجوازية السياسية منها والاقتصادية، ولكن تلك القوى فشلت إلى حدٍّ ما في عملية الاحتواء، كون الحركة النقابية موحَّدة المواقف والأفعال، وهذا الأمر كان مهمّاً لكي تنتزع الحركة النقابية والطبقة العاملة استقلاليّة قرارها وموقفها.
اليوم وكأنَّ التاريخ يعيد نفسَه، مع اختلاف الظروف السياسية وموازين القوى بين السابق واليوم، من حيث محاولة الهيمنة على الحركة النقابية، وهي بأسوأ حالاتها التنظيمية لما فعله النظام السابق لعقود من الزمن بواقع الحركة تنظيمياً، وبدورها المفترض؛ حيث جرى حالياً تنصيب رئيسٍ للاتحاد العام بقوّة الأمر الواقع وخارج قانون التنظيم النقابي، الذي ينصُّ في مواده على وجوب إجراء انتخابات من القاعدة إلى القمّة، وهذا ما لَم يحدث، وهو يتعارض مع قوانين العمل الدولية، ومبادئ الحريات الديمقراطية النقابية، رغم محاولة «رئيس الاتحاد الجديد» مخاطبة المنظمات الدولية النقابية من خلال رسالة موجَّهة إليهم مؤكّداً على التزام النقابات في سورية بالمواثيق الدولية وبالعلاقات معها.
إنَّ أحدَ أسباب ضعف المواجهة مع قرارات الهيمنة، وقرارات التسريح التعسفي للعمّال، كان وما زال احتواء الحركة النقابية، وإخراجها من دائرة الفعل المقاوِم للسياسات الليبرالية السابقة والحالية التي يعاد إنتاجها.
المطلوب خارطةُ طريقٍ للحركة النقابية، قاعدتها الأساسية الطبقة العاملة السورية من أجل حماية حقوق العمّال السياسية والديمقراطية، والدفاع عن مستوى معيشتهم بزيادة أجورهم زيادةً حقيقية.
خرجت أم زهير من أحد حشود الاحتجاجات لتلتقط أنفاسها بعد دقائق طويلة من الهتاف، ووقفت تحت أشعة الشمس. أجرينا معها دردشة لعلّنا نحظى ببعض الأجوبة الخاصة، التي انصهرت بالمطالب العامة الجارية على ألسنة المحتجين، ولافتاتهم وشعاراتهم الرافضة للتسريح والإجازات القسرية والاستبعاد.
المرحلة القادمة من حياة البلاد تتطلب الاستخدام الأمثل والكامل لعناصر الإنتاج الأساسية، واستخدام الموارد البشرية كافة والاقتصادية لتحقيق أعلى مستوى من الإنتاج، من حيث الكم والنوع. وبحدود التكاليف الطبيعة، بعيداً عن قوى الفساد والنهب السابقة والجديدة، عبر زيادة الاستثمار في أصول المعامل والشركات الوطنية وخاصة في القطاعات الإنتاجية في الدولة، وليس عبر بيعها وخصخصتها تحت أي ذريعة كانت.
More...
هل نكون من المبالغين إنْ فسَّرْنا ما يجري بمعامل ومؤسسات القطاع العام بالارتجال والفوضى وسوء التدبير والظلم؟ وإنْ أطلقنا على الطبخات الحكومية الجارية «طبخة بحص»؟ أم سيقال بأننا أصحاب الأحكام المسبقة وبأننا نصطاد الهفوات الجارية «ونعمل من الحبة قبة»،
بصراحة .. تحالف الحصارات على لقمة الفقراء
Written by محمد عادل اللحامالحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية منذ بدء الأزمة لها نصيب مهم في تضييق الخناق على شعبنا، من حيث تَوفُّر المواد الأساسية التي يحتاجها في غذائه اليومي، ودوائه ليعالج أمراضه المختلفة، وحاجاته الأخرى من كهرباء ومشتقات نفطية، ومواد أولية لتقلع عجلة إنتاج المعامل والمشاغل الحرفية. وما كان هذا ليحدث لولا السياسات الانفتاحية مع الغرب للسلطة السابقة، ممّا أدى إلى ربط الاقتصاد السوري برمّته «تقريباً» مع هذه الأسواق، الأمر الذي جعل الاقتصاد الوطني يتأثر تأثراً خطيراً بالحصار الجائر الذي ما زال مفروضاً، وبالتالي انعكاسه المباشر على قدرة الفقراء على تأمين الحاجات الضرورية لهم؛ من غاز ومازوت وغيرها من الحاجات الأخرى، التي أصبح تأمينها يشكّل عبئاً مضافاً إلى الأعباء الأخرى التي يعاني منها شعبنا، وخاصةً الفقراء، وهم المكتوون بنار الأسعار المتحكَّم بها من كبار الفاسدين والمحتكرين المسيطرين على الأسواق ومخازن البضائع، وهذا الفعل الشائن يصبُّ في طاحونة الحصار ويكمله، من حيث النتائج المراد الحصول عليها.
شهد الأسبوع الماضي مجموعة كبيرة من الاحتجاجات العمّالية في عدة محافظات رفضاً للقرارات التعسفية التي صدرت مؤخراً عن الحكومة المؤقتة، معبّرين عن جوهر واحد مشترك بأنّ لقمة العيش خط أحمر، مع اختلاف شكل هذا الاحتجاج سواء من حيث الشعارات أو القطاعات وحتى الأعداد. فبعضها حاشد وكبير كما حصل باحتجاج صحة طرطوس والمعلمين في اللاذقية وعمّال السويداء، أو وقفات رمزية لا تلبث أن تحتشد وتتجمع، كما حصل في احتجاجات دمشق لموظفي العقاري، وموظفي الإعلام والجمارك، وكذلك في حلب باحتجاجات مجلس حلب، وعمال الكهرباء، وغيرها الكثير التي ضجّت بهم صفحات التواصل الاجتماعي كثيراً.
ربّما لا يخالفنا أحدٌ الرأيَ أنّ النقابات خلال حياة السلطة الفارَّة كانت عاجزةً عن إنجاز أيٍّ من المهام اليوميّة أو الاستراتيجية، في ظل التردّي المزري للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، نتيجة السياسات الليبرالية التي انتهجتها السلطة الفارّة بشكلٍ واضح وصريح، وأنتجت المزيد من قوى النهب والفساد من بداية هذا القرن. وهذا العجز لم يكن وليد هذه المرحلة الاقتصادية والسياسية فحسب، بل هي مَسيرةٌ من التراجعات الطّويلة السابقة منذ سبعينيّات القرن الماضي، حتى أصبحت أصناماً يُقدَّمُ لها الطاعةُ والولاء، حتى صار رفع الصوت أو الغمز باتجاه السلطة التنفيذية قد يجلب المُساءلة في أحسن الأحوال.













