نقابات وعمّال (5620)
كيف تبدو سيادة القانون على الورق وفي سوق العمل السوري؟
Written by قاسيونكيف تبدو سيادة القانون على الورق في سوق العمل السوري؟ وكيف تختبر على الأرض تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والتراجع العام؟ وما الذي يمكن فعله لتقوية الامتثال وحماية التنافسية للشركات والعمال معاً؟
بعد خمسة وثلاثين عاماً من العمل كفنّي تفصيل (مقصدار) «وبليلة ما فيها ضو قمر» أصبحتُ أجيراً في مستودع البضائع التركية والصينية، وذهبت كل سنوات الخبرة التي قضيت عمري في مراكمتها هباءً منثوراً. بهذه الجمل الإنشائية المختزلة أوضح لنا أبو عصام الواقع الجديد الذي فرض على حياته وجعله ينحدر مادياً ومعنوياً إلى قاع لا مستقر له، متأسفاً ليس على نفسه فحسب بل على عشرات الآلاف من الخبرات الفنية والمهنية في صناعة الألبسة الجاهزة وعلى الصناعة كلها. عشرات الأسئلة يطرحها على نفسه وعلينا، والتي يخشى من الإجابة عليها بنفسه كي لا تموت لديه آخر معادلات الأمل التي طالما أجاد العيش فيها طوال عقدين من الزمن.
تحالف العمال والفلاحين في الانتقال إلى الاشتراكية اليوم
برابهات باتنايك وأوتسا باتنايكفي زمن تتسع فيه هيمنة الرأسمالية المالية العالمية، وتُفرض النيوليبرالية كعقيدة اقتصادية قاسية على شعوب الجنوب، يبرز سؤال التحالف الثوري بين العمال والفلاحين بوصفه إشكالية محورية في معركة التحرر. لطالما تبنّت الماركسية التقليدية رؤية لينين القائمة على «تساقط» شرائح من الفلاحين عند الانتقال من الثورة الديمقراطية إلى الاشتراكية، لكن الواقع المعاصر يفرض مراجعة جذرية لهذه الأطروحة. فالإمبريالية المعاد تشكيلها لم تتراجع بعد زوال الاستعمار المباشر، بل تحوّلت إلى وحش نيو-ليبرالي متحالف مع البرجوازية المحلية والإقطاع، يُفقر الفلاحين عبر سحب الدعم الزراعي وفتح الأبواب أمام الشركات العابرة للقارات. هنا، في خضم هذا المشهد، يصبح التحالف مع «كامل الطبقة الفلاحية» — لا شريحة منها فحسب — ضرورة حتمية. فتماسكهم المجتمعي الموروث، وتضحياتهم في مواجهة سياسات النهب، كما تجلّى في انتفاضات الهند الأخيرة، يحوّلهم إلى قوة صادمة ضد هيمنة رأس المال العالمي. إن بقاء هذا التحالف متماسكاً طوال رحلة الانتقال إلى الاشتراكية ليس خياراً تكتيكياً، بل شرطاً للنجاح ذاته.
للحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية منذ بدء الأزمة نصيبٌ مهم في تضييق الخناق على شعبنا، من حيث توفُّر المواد الأساسية التي يحتاجها في غذائه اليومي، ودوائه ليعالج أمراضه المختلفة، وحاجاته الأخرى من كهرباء ومشتقات نفطية، ومواد أولية، لتُقلِعَ عجلةُ إنتاج المعامل والمشاغل الحرفية. وما كان هذا ليحدث لولا السياسات الانفتاحية مع الغرب للسلطة السابقة، ممّا أدى إلى ربط الاقتصاد السوري برمّته «تقريباً» مع هذه الأسواق، الأمر الذي جعل الاقتصاد الوطني يتأثر تأثراً خطيراً بالحصار الجائر الذي ما زال مفروضاً رغم الوعود التي صدَّقَها البعض بأن العقوبات ستُلغى أو ستُخفَّف على نحوٍ مؤثِّر. ولكن الأمريكان والغرب كعادتهم ليسوا صادقين، وبالتالي استمرار ذلك الموقف ينعكس على قدرة الفقراء على تأمين الحاجات الضرورية لهم؛ من غاز ومازوت وغيرها من الحاجات الأخرى، التي أصبح تأمينها، بعد ارتفاع أسعارها وسحب الدعم عنها، يشكّل عبئاً مضافاً إلى الأعباء الأخرى التي يعاني منها شعبنا، وخاصةً الفقراء، وهم المكتوون بنار الأسعار المتحكَّم بها من كبار الفاسدين والمحتكرين المسيطرين على الأسواق ومخازن البضائع. وهذا الفعل الشائن يصبُّ في طاحونة الحصار ويكمله، من حيث النتائج المراد الحصول عليها.
في الأسبوع الفائت، توجهت مجموعة من عمال وموظفي مجلس مدينة حلب - أو ما يعرف في الأوساط الحلبية بـ«القصر البلدي» - إلى العاصمة دمشق حاملين مطالبهم، لعلّهم يجدون ما لم يجدوه في مدينتهم ومؤسساتها ومسؤوليها. وللعلم، فإنّ هذه الظاهرة ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، وليست محصورة بعمال حلب، بل حصلت عشرات الزيارات المماثلة من القنيطرة وحماة وحمص والسويداء واللاذقية والمحافظات الأخرى كافةً، حيث تعتبر زيارة الوزارة أو مكتب الوزير آخر ورقة تظلُّمٍ يملكها هؤلاء العمال المفصولون أو المعطَّلون، وبعدها سيبقون معلَّقين بين السماء والأرض حتى إشعار آخر.
سمعت قولاً مأثوراً يجري تناقله وذكره دائماً يقول: «البرد أساس كل علة، أما البرد فسببه الإنكليز». إنّ مشكلة الفقر في البلاد لا تنحصر عند العاطلين عن العمل فحسب، بل هي عملية إفقار اجتماعي عام مرتبط بسوء توزيع الثروة الوطنية، وعملية الإفقار هذه تستفيد منها قوى بعينها، حيث ما زال القرار الاقتصادي والسياسة الاقتصادية في خدمة مصالح هذه القوى.
من خلال مادتين سابقتين تحت عنوان «متى وكيف نضم عمال القطاع الخاص إلى النقابات»، طرحنا رأياً ينطلق من قراءة وتحليل الواقع الملموس لعمال القطاع الخاص بعلاقتهم مع المنظمة العمالية، وأضأنا على أسباب عدم نجاح الاتحادات ومن خلفها النقابات بمعالجة استمرار انكفاء عمال القطاع الخاص عن التنظيم النقابي، ونسبة المنضمّين تحت المظلّة النقابية التي تكاد أنْ تكون مجهريّة بالقياس لعدد هذه الشريحة الأكبر من الطبقة العاملة والمجتمع السوري. وحاولنا أيضاً وضع رؤية برامجيّة لإنجاح ذلك، منطلقة من الواقع والإمكانيّات وبخطوات وإجراءات موضوعية بل وبديهية، فالحصول على نتائج حقيقية تحقق الهدف المطلوب يستدعي العمل اليومي والمستمر وفق برنامج واضح ومرن، وهذا ما افتقده التنظيم النقابي والقوى الطبقية المعنية بالطبقة العاملة خلال عقود.
يحلو للبعض أن يصوّر النجاح الواسع الذي حققه الفضاء الإلكتروني «مواقع الإنترنت التواصل الاجتماعي» في التواصل مع الحركة الجماهيرية، أو قطاعات مهمة منها وتعبئتها، بأنه بديل للإطار التنظيمي «الأحزاب والنقابات»، وأنه يمكن أن يلعب الدور الذي كانت تلعبه تلك الأحزاب بصلتها المباشرة مع الحركة الجماهيرية، وخاصة الطبقة العاملة. هذه الفكرة، التي يحاول الكثيرون الترويج لها في ظل التجارب الناجحة التي تم استخدامها في الدعوة للاحتجاجات أو الاعتصامات أو الإضرابات عبر «فيسبوك»، وغيرها من القضايا المتصلة بالنشاط الجماهيري والعمالي، لا يمكن أن تكون كما يُراد لها أن تكون «بديلاً»، بل هي إحدى الأدوات المهمة الإضافية التي يمكن استخدامها من أجل إيصال ما يُراد إيصاله.
More...
ليس هناك رقم دقيق لتحديد مستوى البطالة، ولكن بالتأكيد الحكومة تملك هذا الرقم والإحصاءات اللازمة، إلا أنها لا تعلن عنها كي لا توقع نفسها بالحرج. فالمسؤولية عن إيجاد فرص العمل تقع على عاتقها، وهي دليل واضح على نجاح سياستها الاقتصادية أو فشلها. لكن الواقع يؤكد أن مستوى البطالة مرتفع جداً ولمستويات مخيفة.
لماذا يختلف المستوى التعليمي للطبقة العاملة من دولة إلى أخرى؟ هل بسبب اختلاف تطورها وتموضعها الجغرافي، أم أنّ هناك سبباً أساسياً اقتصادياً بالدرجة الأولى؟ وأيهما أكثر تأثيراً في الآخر: السياسات التعليمية أم الاقتصادية؟ وإذا أردنا تسليط الضوء على المستوى التعليمي للطبقة العاملة السورية في السنوات الأخيرة، فليس من باب الترف الإحصائي، بل لربطها بمستقبل هذه الطبقة التي تعتبر العنصر الأساسي في الاقتصاد السوري وثروته الأكبر.
تناولنا في العدد الماضي بمادة تحت عنوان «متى وكيف نضم عمال القطاع الخاص إلى النقابات» بعض الأسباب الرئيسة التي أدت لعدم نجاح التنظيم النقابي باستقطاب وضم عمال القطاع الخاص بشقيه المنظم وغير المنظم للجسم النقابي، رغم أن عمال القطاع الخاص هم «أم الصبي» كما يقال، كونهم أسسوا النواة الأولى للحركة النقابية والنقابات. سنحاول في هذه المادة الانتقال من التفسير للتغيير عبر تشكيل ملامح رؤية قابلة للتطبيق في الواقع لأنها ابنة الواقع بامتياز، وليست مجرد أفكار وتنظير أو أمانٍ وتبرير. وكل منخرط أو مطلع على سوق العمل في القطاع الخاص سيتلمس ذلك ببساطة، في حين سيعجز القابعون وراء مكاتبهم أو في مراكز السلطة عن فهمه ولن يروا أبعد من أطراف كراسيهم العزيزة.













