نقابات وعمّال (5620)
راتبهم بالملايين، لذلك تحلم الأغلبية العمالية بأجرٍ مثلهُ، يُطلَق عليهم في بعض الأوساط العمّالية «الخواجات»، فأجرهم يصل لستة ملايين ليرة، يعملون في أغلب الأحيان بالإدارات الوسطى للشركات والمؤسسات، أو أنهم مهنيّون محترفون يشرفون على خطوط الإنتاج، أو أقسام المبيعات والمشتريات، وغيرها من المواقع التي تحتاج لنوعٍ خاصّ من الكفاءة المهنية والإدارية. يُنظر لهم على أنهم «عايشين» وليسوا محتاجين لشيء. وللوهلة الأولى يُعتبَر هذا طبيعياً إذا ما قارنّاه بالشرائح العمالية الأقل أجراً أو ذات الحد الأدنى للأجور، أو حتى ببعض المهن «اللّي ما بتجيب همها». فهل حقاً هؤلاء العمّال بخير؟ وهل نستطيع القول بأنّهم ضمن دائرة الأمان المعيشي المفترض؟ أم أنَّ لواقعهم معطياتٍ مختلفةً عمّا تحجبهُ الأصفارُ الستّةُ المصفوفةُ في قيمةِ راتبهم «السخيّ».
إذا قمنا بمتابعة لواقع الطبقة العاملة وما قُدِّمَ باسمها من مطالب خلال المؤتمرات النقابية التي عقدت في بداية هذا العام، وما قُدِّمَ من مذكّرات سطّرتها اجتماعات المجلس العام لنقابات العمال، نجد أن تلك المطالب لم يتغير من أمرها شيء، وفي مقدّمتها تحسين الوضع المعيشي للعمال الذي أصبح في أسوأ حالاته، حتى بعد الزيادة الأخيرة على الأجور، والوعود المتكررة بتحسين الوضع الإنتاجي، الذي يتراجع تراجعاً خطيراً تكاد تفقد فيه الصناعة كلَّ مقوّمات استمرارها، فما بالك بتطوّرها، وما زاد الطين بلة توجهات الحكومة الجديدة المعلنة بما يتعلق بإعادة هيكلة القطاع العام.
كثيرة هي المشاكل العمّالية وهذه مسألة طبيعية، فكل عمل تنتج عنه مشاكل، ويُفتَرض أن تجد تلك المشاكل آذاناً صاغية لها واهتماماً خاصاً بها من أجل إيجاد الحلول لها وتذليل كلّ الصعوبات التي تواجه العمال أثناء تأديتهم أعمالهم. وهذه من مهام النقابات العمالية وما تمثله من وزن على الأرض من خلال استخدامها الأدوات النضالية لتفرض رؤيتها ووزنها في تنظيم علاقة العمل وإيجاد الحلول المناسبة.
هل سمعتم عن عمال بلا أجور؟ ولا نقصد أولئك المتطوعيّن بالأعمال الخيرية، ولا ربّات البيوت العظيمات المنهكَات في أعمال بيوتهن، ولا الأزواج الذين يقومون بأنفسهم بصيانة خدمات البيت من كهرباء وصحّية وغسيل سجّاد، ولا عن عمال مأجورين من المفترض أنهم يعملون مقابل أجرٍ ما، أيّاً كانت قيمته الشحيحة، بل عن عمّال يعتمدون على ما يسمَّى بـ«الإكراميّات» استناداً إلى «الكَرَم»، وهم بذلك يقعون تحت رحمة طبائع الزبائن وقراراهم، لتبقى هذه الشريحة العمالية معلَّقة بالهواء ومحرَجَةً من مبادَرة الزبون أو سؤاله وهي أيضاً لا تدري نصيبها من المال في آخر يومها الشاقّ.
للوهلة الأولى سيبهرك أجر عامل درزة الخياطة إذا ما قارنتَه بالرقم الذي يتقاضاه موظَّف القطاع العام، وربما سيُحسَد عليه إنْ تفوَّه به هنا أو هناك. لكن هذه المقارنة خاطئة، فعليكَ يا صديقي أن تقارنه بالحد الأدنى من المعيشة لا بأجور لا تشبه الأجور بشيء، لماذا؟ لأنها لا تؤدي دورها المناط به ألا وهو تأمين الحد الأدنى من المعيشة الذي هو وحده القادر على تجديد قوة العمل أسوة بتجديد أيِّ سلعة أخرى. فرأس مال العامل قوّة عمله ورأس المال الذي لا يُجدَّد يموت.
بصراحة .. النقابات والحكومة على توافق بشكل عام
Written by محمد عادل اللحامقدّمت الحكومة برنامجها وتوجهاتها التي ستعمل على أساسها في المرحلة المقبلة بالنسبة لشركات قطاع الدولة الصناعي والإنشائي. وهذا التقديم جاء قبل انعقاد الاجتماع الذي تم في الأسبوع الماضي بين الحكومة وقيادة الحركة النقابية ممثلة بمكتبها التنفيذي.
يعتبر إصدار دستور جديد في بلادٍ ما تتويجاً لمرحلة جديدة أدّت إلى ظهورها مجموعةٌ من المتغيّرات، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فرضت نفسها على أرض الواقع. وإنّ إنكار البعض لهذه المتغيرات أو تجاوزها وعدم أخذها في عين الاعتبار يؤدي الى حدوث أزمات قد تؤدي إلى كوارث، والأزمة السورية مثالٌ على ذلك، فتجاهل الدولة لمشاكل الفقر والبطالة والفساد والتهميش طوال السنين الماضية أدى إلى انفجار أزمة كادت تؤدي إلى تفتيت البلاد.
إنْ كان الأجر الذي تتقاضاه 300 ألف شهرياً فأنتَ قادر على شراء كنزة صوف من النوع التجاري الثالث وجاكيت مطري متوسط الجودة، أو ستشتري أربع بيجامات شتوية ولّادي «بازارية»، أو ستشتري بها «مانطو» نسواني طويل من الجوخ الرديء، أيْ أنك يا صديقي ستضحّي براتب شهر كامل لتشتري جزءاً صغيراً من احتياج نفسك أو أحد أفراد عائلتك من الكساء الشتوي. أمّا إنْ كنت تعمل ليلاً ونهاراً في أكثر من عمل، وتُعَدُّ من أصحاب الأجور «عالية الشأن» أيْ أكثر من مليونَي ليرة، فربما تنجح في شراء كسوة العائلة الشتوية خلال ثلاثة أشهر فقط، وستفتح أنت وعائلتك أفواهكم للهواء والله المستعان.
More...
لن نجد من يعترض علينا إنْ قلنا بأنّ الوجبات الثلاث المشبِعة أصبحت ترفاً تحتكرهُ قلّة قليلة من السوريين، ومن المؤكَّد أنَّ الأسر العمّالية المعتمِدة على الأجور ليست منهم، ليس لأنّهم لا يرغبون بها وهم الأكثر احتياجاً لها، بل لأنّ الأجر الأعلى في سوق العمل غير قادر على سد احتياجات الأسرة السورية من الطعام والشراب. وهنا يأتي السؤال: ماذا تأكل الأسر العمّالية كي تبقى على قيد الحياة؟ وهل ترتقي هذه الظاهرة لفكرة الإعجاز؟ وإنْ كانت كلُّ المؤشِّرات والدراسات، وعلى رأسها الصادرة عن الأمم المتحدة، تؤكّد أنّ أكثر من نصف السوريين باتوا فاقدين للأمن الغذائي الذي يؤثِّر بشكلٍ مباشر على الأمن الصحي والتعليمي والاجتماعي والوطني أيضاً، فهل فعلاً سقطت مقولة «ما حدا بنام جوعان بالبلد» أم هناك روايةٌ خيالية يحبّها البعض ويتغنّى بها.
بصراحة .. معركة العمال مستمرة مع رأس المال
Written by محمد عادل اللحاميتبين الصراع الآن ويتوضح أكثر بين رأس المال وقوة العمل في المعارك الطبقية الدائرة رحاها في الساحات الأوروبية، من أجل كسر حالة الاستغلال التي يمارسها رأس المال، على طريق إزالته في حال توفرت الظروف والعوامل المُواتية لعملية الإزالة تلك، وأهمها وجود قوى ثورية قادرة على رؤية المتغيرات الجارية في ميزان القوى على كل الأصعدة، وبالتالي وضع برامجها على أساس تفسير صحيح للواقع من أجل تغييره.
العزوف عن العمل أصبح خياراً للكثيرين نتيجة لتدني الأجور والرواتب، وانسداد أفق السياسات الحكومية المتّبعة حتى الآن أمام إيجاد حل للمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد السوري، والذي يتم تحميلُ نتائجها لأصحاب الأجور فقط، مع العلم أنّ معظم الأزمات الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد هي نتيجةٌ أوصلتها إليها السياسات الاقتصادية للحكومات السورية المتعاقبة منذ عام 2005، وتبنيها لـ«اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي مهَّدَ الأرضية المناسبة لانفجار الأزمة عام 2011، والتي تواجِهُ عراقيلَ على طريق حلّها رغم مرور كل هذه السنين، وما زاد من تأثير الأزمة على الواقع الاقتصادي والمَعيشيّ للسوريين هو إمعان قوى الفساد في استثمار الأزمة والعمل على ضمان استمرارها وتعميق فسادهم وزيادة نهبهم للدولة والمجتمع دون وجود رادعٍ لهم.
تؤثّر الأوضاعُ الاقتصادية والمعيشية المتأزِّمة ونتائجها السلبية بشكلٍ كبير على مناحي حياة العمال كافة، حيث العمال هم الأكثر ضعفاً في مواجهة هذه الأزمات، جرّاء الكثير مِن العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتتحمّل النقابات مسؤوليةً حقوقية ذات طابع اجتماعي واقتصادي إزاءَ الطبقة العاملة التي تمثِّلُها. وبالانطلاق من هذه المسؤولية تحتاج الحركة النقابية إلى نقابيِّين ذوي مواصفات وسمات لا بدّ أنْ تتوفّر لديهم، لكي تستطيع الحركة النقابية تطوير عملها النقابي، في تَبَنٍّ حقيقيّ لقضايا العمال وأنْ تواكب المتغيرات والتحدّيات التي تواجه العمال، فالنقابي الجديد اليوم لا بدَّ له من معرفة الدور والمهمّة التي يجب أن يحملها النقابيّ لتمثيلِ العمّال والدفاع عن مصالحهم بكلّ ثقةٍ وإيمان بحقوق العمال.













