Skip to main content

نقابات وعمّال (5620)

ما إن خرجت الإجراءات التنفيذية للمرسوم الخاص بزيادة الأجور رقم (67) على الإعلام حتى حصلت إشكاليات بما يخص بعض مواده وبنوده، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالحاصلين على زيادة الترفيع 9% الروتينية القانونية، المنصوص عنها بقانون العاملين الأساسي رقم (50) الذي ما زال نافذاً إلى اليوم، وما زاد الاعتراض على الإجراءات التنفيذية، أنه بأحد بنود الإجراءات التنفيذية قد ورد « كل جهة قبضت الترفيعة فعليها استرجاع مبلغ الترفيعات وحسمها من رواتب حزيران 2026» في مخالفة واضحة لقانون العمل من جهة، ولمواد المرسوم من جهة أخرى، علماً أن الجهاز المركزي للرقابة المالية أقر الزيادة وفق القانون، كون الترفيعة مستحقة أصلاً عن عامين سابقين (2024-2025) وعن نسبة دوام قد حققها العامل خلال فترة سابقة، بالإضافة إلى تقييم أداء العامل من قبل مدرائه المباشرين، فأين يكمن التناقض ما بين المرسوم والإجراءات؟

تشهد المنظمة العمالية استياء عاماً بين الأوساط العمالية والنقابية بفعل المركزية الشديدة المفروضة عليها، ولا تخلو هيئة تنظيمية بالجسد التنظيمي من هذا الاستياء، بعضه القليل المعلن، وأغلبه الكثير المبطن، خاصة بالمرحلة التي تلت سقوط سلطة النظام البائدة، كونها اشتدت بشكل غير مسبوق، وبأسلوب مباشر ومعلن، وبكافة الجوانب التنظيمية والمالية، وحتى الإعلامية، فليس مسموحاً اليوم لأي لجنة نقابية، أو نقابة، النشر الإعلامي على صفحاتها الخاصة على السوشيال ميديا، بل يجب الالتزام بما تنشره الهيئة الأعلى فقط، وبالجانب المالي، تم إحداث صندوق مركزي للمنظمة، ألغى به أي استقلالية مالية للنقابات، مهما بلغت موازنتها، وأما تنظيمياً، فصلاحية أي هيئة تقتصر على الاقتراح بالترميم والتعيين، والقرار فقط للاتحاد العام الذي يمسك بكل شيء، ويقرر كل شيء، بعيداً عن مفهوم الديمقراطية المركزية المفترض أنه مبدأ أساسي في المنظمات الشعبية.

لم تغيّر الحرب والأزمة الاقتصادية في سوريا شكل الاقتصاد فقط، بل غيّرت أيضاً شكل الطبقة العاملة نفسها. فالعامل السوري الذي كان قبل سنوات يعمل في مصنع أو ورشة أو أرض زراعية ضمن نمط عمل أكثر استقراراً، وجد نفسه اليوم ينتقل تدريجياً إلى عالم مختلف تماماً: أعمال يومية، وظائف مؤقتة، مهن غير مستقرة، واقتصاد رقمي هش يقوم على التطبيقات والمنصات والعمل غير المنظم.

يزداد مستوى التحدي الماثل أمام التنظيم النقابي بأكمله، والناتج عن تطورات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والخدمي في سورية، جراء غياب أي نهج اقتصادي حكومي واعٍ ومنسجم مع الواقع والضرورات، مع انغلاق أي أفق يبشر بغير ذلك. وهذا واضح لدرجة كبيرة لا يحتاج لتكرار المكرر.

من جملة الموظفين التابعين للشركة السورية للاتصالات التي قامت إدارة الشركة في شهر نيسان من سنة 2025 بفصلهم أو إنهاء عقودهم، هناك عشرات العاملين التابعين لها في طرطوس (بحدود 40 موظفاً) من المثبتين وفق القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50.

يسأل نفسه: «كيف لهذا النقابي (الأكابر) الذي زار معملنا وتجول بأقسامه وتودد لعماله، واستقبل من إدارته بحفاوة والتقط عشرات الصور التي سينشرها على فيسبوك بعد انتهاء زيارته لنا، أن يقف يوماً ما أمام وزير عاقداً حاجبيه ملوحاً بيده مطالباً بزيادة أجور العمال المعتَّرين؟ كيف له ببدلته الأنيقة الإيطالية وعطره الفرنسي الفواح أن يطلب من إدارة معملنا لباساً عمالياً يحمينا من المخاطر ووجبة غذائية تقينا من سموم المواد وأمراضها؟ وكيف بقيادته لتلك السيارة (فول أوبشن) غالية الثمن أن تجعله مقنِعاً حين يعترض على إيقاف نقل العمال بباصات الشركة؟ كيف سنفرق بينه وبين الوزير الذي زارنا ذات يوم؟ هل تتمتع قيادات النقابات بكل تلك المزايا (الأكابرية) أم أنه دون غيره تظهر نعمة الله عليه؟»

في الماضي كان يُنظر إلى العمل بوصفه وسيلة للحياة الكريمة، وطريقاً للاستقرار الاجتماعي، وركناً أساسياً من أركان العدالة الاقتصادية. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة قاسية؛ إذ لم يعد العامل يعمل ليعيش، بل بات يعيش فقط ليواصل العمل. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التعب»، ذلك النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوم على استنزاف الإنسان جسدياً ونفسياً مقابل الحد الأدنى من البقاء.

الصفحة 4 من 402