الصين تلغي عقود استيراد القمح من الولايات المتحدة وأستراليا
نورلان سيد نورلان سيد

الصين تلغي عقود استيراد القمح من الولايات المتحدة وأستراليا

قام المشترون الصينيون في الآونة الأخيرة تباعاً، بإلغاء بعض عقود شراء القمح من الولايات المتحدة وأستراليا، حيث بلغ الإلغاء من واردات قمح الولايات المتحدة 504 آلاف طن. وبالإشارة إلى عام 2023، سيبلغ إجمالي واردات الصين السنوية من القمح 12.1 مليون طن، منها إجمالي واردات القمح من الولايات المتحدة 925.700 طنٍّ. أي أنّ الصين خفضت إجمالي وارداتها من القمح الأمريكي بنحو 54٪ في العام الماضي، وهذا أمر شديد الأهمية. في أستراليا، على الرغم من أن حجم خفض الطلب كبير أيضاً، لكن نظراً للقاعدة الضخمة الأصلية لواردات الصين من القمح الأسترالي، فحتّى مع انخفاض قدره مليون طن، لا تزال أستراليا تحافظ على المرتبة الأولى كأكبر مصدّر للقمح إلى الصين.

ترجمة: أوديت الحسين

لا شكّ أنّ هذا يثير تساؤلات حول العوامل الدافعة وراء مثل هذه التغييرات في المشتريات: هل الاعتبارات السياسية هي المهيمنة، أم أنّها تعتمد فقط على العقلانية الاقتصادية؟ وهل سيكون لها تأثير كبير على أسعار المواد الغذائية المحلية؟
أولاً، على مستوى السياسات، أوْلَت الحكومة المركزية منذ فترة طويلة أهمية كبيرة لقضايا الأمن الغذائي، وبفضل تخطيطها الاستراتيجي الاستشرافي، نجحت في التخفيف من تأثير الأحداث الدولية غير المتوقعة، مثل: الصراع الروسي الأوكراني على أسعار الغذاء العالمية. واستناداً إلى منظور الأمن الاستراتيجي الوطني، تسعى الصين إلى تحقيق درجة معينة من الاستقلالية والقدرة على السيطرة فيما يتعلق بالحبوب الأساسية، مع التركيز أيضاً على أمن واستقرار مصادر الاستيراد. وإذا أخذنا واردات أسمدة البوتاس كمثال، فنظراً لأنّ مناطق إنتاجها الرئيسية تتركز في روسيا وبيلاروسيا، فقد تمكنت الصين نسبياً من تجنب المشاكل وتأمين استيراد مثل هذه الموارد.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بمحصول القمح بشكل خاص، فإنّ إنتاج الصين قد تجاوز بكثير مستوى الاكتفاء الذاتي الأساسي، وكانت منذ فترة طويلة أكبر منتج للقمح في العالم. السبب وراء الحاجة إلى استيراد القمح هو بشكل أساسي لتلبية الطلب على الأصناف عالية الجودة واحتياجات العرض لصناعة الأعلاف. لهذا فمن غير المجدي قياس التغييرات من منطلق الأمن الغذائي فقط. ففي إطار لعبة القوى العظمى، فإنّ مثل هذه التعديلات تميل إلى أن تكون أكثر من مجرّد مقايضة استراتيجية اقتصادية.
يجيب هذا أيضاً بشكل غير مباشر عن السؤال حول تأثير أسعار المواد الغذائية. فطالما أنّ القمح المستورد يلعب دوراً تكميلياً في إجمالي الطلب المحلي في السوق، بالتالي فإن هذا التعديل في العناصر التجارية لن يكون له تأثير كبير على سعر القمح المحلي في السوق.

التفاعل متبادل المنفعة

يأخذنا هذا إلى سببٍ آخر ذي تأثير جيوسياسي: تطوير النظام التجاري لمجموعة البريكس، والذي يكتسب أهميّة متزايدة، ويتحرك تدريجياً نحو وضعه التاريخي المستحق. في إطار النظام التجاري لمجموعة البريكس، فتحت دول، مثل: البرازيل وروسيا تدريجياً أسواقها لسيارات الطاقة الجديدة من الصين، مما يوفر قناة جديدة لتصدير المنتجات الصينية المتطورة. وكتفاعل متبادل المنفعة، قامت الصين بإجراء تعديلات في الوقت المناسب على سياسات استيراد الحبوب من روسيا والبرازيل وتحسين الظروف ذات الصلة، بهدف تحقيق وضع تعاون اقتصادي وتجاري يكمّل فيه الطرفان بعضُهما مزايا بعضٍ ويحققان الرخاء المشترك.
إن جوهر بناء النظام التجاري لمجموعة البريكس يتلخّص في إنشاء نظام تجاري دولي عادل نسبياً. هذا الهدف لا يتماشى مع حقوق الصين ومصالحها المشروعة فحسب، بل يتماشى أيضاً مع الاحتياجات المشتركة لعدد كبير من البلدان المتأثرة بشدة بالهيمنة الغربية. على هذه الخلفية، فإن تطوّر هيكل واردات القمح في الصين هو في الواقع خطوة حتمية تتوافق مع اتجاه التنمية في العصر.
بطبيعة الحال، وعلى الرغم من أهمية السياق الكلي، فإنّ قضايا محددة لا تزال تتطلب تحليلاً مفصلاً. وكما ذكرنا في البداية، فإن تعديلاً صينياً آخر لواردات القمح قد يؤدي إلى شطر الولايات المتحدة إلى النصف وإلغاء أستراليا. يجب حقاً على الصين أن تسدد ضربة للولايات المتحدة، لا سيّما بالنظر إلى أنّ حادثة عقوبات هواوي لم تنته بعد، وقد تم وضع TikTok مرة أخرى في الواجهة.
إن التفاعل بين الصين والولايات المتحدة في مجال الصناعات المتطورة ليس تكاملياً، ولكن هناك درجة معينة من المنافسة والتعاون. ولذلك فإنّ تأثير هذه العملية على التجارة الصينية الأمريكية جذريّ ودائم. وباعتبارها اقتصاداً موجهاً نحو تصدير الموارد، لا يوجد لدى أستراليا منافسة مباشرة مع الصين في الصناعات المتطورة، وبالتالي فإن الآثار السلبية لهذه العملية على أستراليا هي مجرّد ردّ فعل جانبي، يُفهم عموماً بالتحيّز الأسترالي للولايات المتحدة.
وبغضّ النظر عن المواقف العاطفيّة للأفراد السياسيين المناهضين للصين وأتباعهم في أستراليا، واستناداً إلى طبيعة البنية الاقتصادية، لا يوجد تضارب أساسي في المصالح بين الصين وأستراليا. وبينما وصل القادة المعتدلون نسبياً، مثل: رئيس الوزراء أنتوني إلى السلطة، سرعان ما اتخذوا موقفاً استباقياً، مثل الذهاب إلى شنغهاي لزيارة الصين للمشاركة في معرض الاستيراد الدولي وغيره من الفعاليات. يكشف سطرٌ من «المسلسل» الدرامي للعلاقات الأسترالية الصينية بوضوح ما يجري، حيث قال أحد السياسيين: «إنّنا ننفق ما يقرب من 30 مليار دولار أسترالي كل عام لحماية تجارتنا مع الصين من المخاطر المحتملة».
ومن منظور جيوسياسي، لا تحتاج الصين إلى الانخراط في معركة مميتة مع أستراليا. بدلاً من ذلك، ينبغي لها أن تفكر في كيفية دمج هذا الطرف المتردد في إطار التعاون. ولذلك، فمن المتوقع أن تتقلّب واردات الصين من الحبوب من أستراليا على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل، من المتوقع أن تظل ضمن نطاق مستقر نسبياً. أما بالنسبة لتجارة الحبوب الأمريكية، فقد تُظهر اتجاهاً نزولياً تدريجياً مع تعمّق اللعبة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، خاصة في مجال الصناعات المتطورة.
ولا يمكننا أيضاً أن نهمل أنّ الاعتبارات الاقتصادية لها دور جوهري في عمليات التعديل هذه، وأنّ الاعتبارات السياسية هي التي كانت تعيق الركون إليها وليس العكس. فاعتماد الصين بشكل كبير على الموردين من أستراليا والولايات المتحدة وكندا ليس مبرراً اقتصادياً من ناحية السعر. سعر وحدة القمح في الدول الثلاث أعلى بشكل عام من 2500 يوان/طن، بينما يبلغ سعر القمح الروسي حوالي 1764 يوان/طن. وفي الوقت نفسه، فإنّ الفجوة السعرية بين دقيق القمح والقمح أكثر أهمية.
إنّ مفتاح قدرة المشترين الصينيين على قبول أسعار الوحدة المرتفعة نسبياً للقمح من البلدان الثلاثة والحفاظ على المشتريات على نطاق واسع، يكمن في فرق التكلفة الإجمالي بعد النظر في تكاليف النقل. تظهر البيانات التاريخية أن تكلفة نقل طن واحد من البضائع بالقطارات بين الصين وأوروبا تتراوح عادة بين 1000-1500 دولار أمريكي/طن، في حين أن تكلفة الشحن البحري لا تتجاوز 300-500 دولار أمريكي/طن.
ومع ذلك، مع تطور المشهد الجيوسياسي ونُضج عمليات قطارات الشحن بين الصين وروسيا بشكل متزايد، فقد ضعفت ميزة النطاق المتأصل للنقل البحري تدريجياً. وعلى وجه التحديد، باعتبارها قناة نقل ناشئة، من المتوقع أن تعمل قطارات الشحن بين الصين وروسيا على خفض تكاليف النقل تدريجياً، مع استمرار تحسن كفاءتها التشغيلية ونضجها مع نمو أحجام التجارة ذات الصلة. وبالنسبة للبرازيل، فتكاليف الشحن البحري التي تنطبق على الغرب تنطبق عليها.
لا ينبغي أن نبالغ في الخرافات بشأن طرق التجارة القديمة، ولا ينبغي لنا أن نقيّم بشكل أحادي الشركاء التجاريين الجدد. بدلاً من ذلك، يتعيّن علينا أن نقيّم الوضع وننظر إلى بعض التغيرات البنيوية الحالية في تجارة الصين الخارجية بشكل واقعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1167
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 10:40