نشأت الرعدون لـ«قاسيون» : العزلة سببها القمع

نشأت الرعدون لـ«قاسيون» : العزلة سببها القمع

البيئة لها دور في تهيئة الفنان وإظهاره وإخراجه. أنا ابن أفاميا، المدينة الأثرية الجميلة، ودرست المرحلة الثانوية في حماة. ووالدي كان شاعر اللغة المحكية. البيئة توجه الإنسان لممر إجباري وتنمي موهبته، كما قال لي أستاذي البلغاري تيودوروف يوماً ما:

«اكتشفت لماذا أنت نحات، الإنسان الموهوب الذي يعيش بين أثار أفاميا وتماثيلها لا يكون إلا نحاتاً». ثم صمت لبرهة وأكمل: «أعتقد أنك ستتخصص بالنصب التذكارية، لأن الذي يعيش بين أعمدة أفاميا العملاقة ينمو عنده حس العلاقة بين الشكل والفراغ والتي هي النصب التذكارية». هكذا استهل النحات السوري نشأت الرعدون حديثه مع «قاسيون» حين التقته في مشغله الدمشقي.

بيبلوغرافيا:

ولد عام 1941 في مدينة آفاميا التابعة لمحافظة حماة ودرس في مدارسها، درس الرسم والنحت في كلية الفنون الجميلة بدمشق، تخصص بالنحت ونشطً في مجال النصب التذكارية. انخرط في العمل السياسي وعمل لمدة ثلاثة وعشرين عاماً محاضراً في كلية الهندسة المعمارية، أنجز الكثير من الأعمال النحتية وبرع في مجال النصب التذكارية.ومن أعماله الأدبية عودة الموناليزا (رواية)، أطياف الأميرة نرسيسة (رواية)، يوم انهار السد (رواية)، سأموت مبتسماً (ديوان شعري) ،رؤى تجربتي في الحاسة السادسة (كتاب يبحث في ما وراء علم النفس) ..


ما السبب في وجود كم هائل من الرسامين والنحاتين بالمعنى الكمي مقابل قلة الفنانين بالمعنى النوعي؟

تاريخياً، كانت الحضارة السورية القديمة، البابلية الآشورية حتى مرحلة تدمر، عميقة جداً وعكست أعمال فناني تلك الحقب أفكار تلك الشعوب دينياً واجتماعياً.
جاء الفن الإسلامي وسلك ممراً إجبارياً باتجاه الزخرفة العربية الإسلامية، بسبب موقفها من الصورة والتمثال، ومع ذلك تطورت وأصبحت مدرسة خاصة وجميلة جداً ضمن المدارس الإنسانية الهامة.
بعدها جاءت، في المرحلة العثمانية، فترة ركود وانتكاسة كبيرة، ليس فقط للحالة الاجتماعية بل للفنون الاجتماعية أيضاً ومنها الفنون الجميلة، ثم عانينا بعد الاستقلال من حالة من الخواء، رغم وجود بعض الرسامين التقليديين والنحاتين الذين أكن لهم الاحترام لأنهم كانوا البدايات والأبجدية الأولى في الفنون الجميلة كونهم فتحوا الطريق.
 روى لي أستاذي تيودورف مرة أنه عندما جاء إلى دمشق، توقع إن تكون مليئة بالتماثيل والنصب التذكارية، لكنه فوجئ أنها ليست كذلك وقال متأسفاً «مع أنكم أنتم علمتم الناس النحت».
مشكلتنا تكمن بالانتقال مباشرة، فقد تطور العالم الغربي بشكل منطقي ومتسلسل مرحلة إثر أخرى، من الكلاسيك المطلق إلى الواقعية ثم الانطباعية والتعبيرية والتجريدية والسريالية.
نحن انتقلنا مباشرة لآخر مرحلة من المرحلة الغربية وهي التجريد، وهي حالة جمالية بحتة مهتمة بالألوان وتشكليها وعلاقاتها، بعيداً عن الحالة الاجتماعية، فالتجريد يعتمد الشكل أكثر من المضمون ومن مقوماته: الحركة واللون والشكل، ولكنه يعكس النواحي الجمالية فقط ويبتعد بالإنسان عما حوله وعن مجتمعه نوعاً ما.
يعاني مجتمعنا من متغيرات كثيرة، من الانتكاسات والانتصارات. ففي مرحلة الاستقلال جسد توفيق طارق وغيره المرحلة برسوماتهم عن الاستقلال والدبابات والحرب، ثم فترة الوحدة وانتكاساتها ثم مرحلة دخول الفكر الاشتراكي ..الخ.
أنا ابن فلاح عندما أكون في دمشق لا يمكن أن أغلق باب قريتي التي أتيت منها. أظل مشدوداً، إلى الحالة السياسية والاجتماعية للبلد، ولذا لا يمكن إلا أن أعكس هذه الحالة في كل أعمالي.

هل للفن دور وظيفي في المجتمع؟

الفن متعدد الوجوه والوظائف. أعتقد أن الفن مرآة المجتمع، يعكسه. يوجد فنانون بطبيعتهم بعيدون عن الحالة الاجتماعية، أخذوا اتجاهاً واحداً هو التجريد وأغلقوا باب المرسم على أنفسهم. هؤلاء يظلون حرفيين، لوحاتهم تشبه بعضها، لا جديد لديهم، يكررون أنفسهم دائماً. وهم لا يطالعون أو يتابعون ما وصلت إليه الفنون الجميلة، أو الفن العالمي مثل طبيب فتح عيادة بعد التخرج وأغلق كتبه وأصبح همه أخذ أجرته من المريض.
أما المطلع والمتابع للأمور السياسية والاجتماعية والفنية ويعكسها في فنه فهو فنان حقيقي، لأنه لا يمكن للفنان إلا أن يكون ابن المجتمع بكل أبعاده.

في كل أنواع الثقافة يوجد حالة عزلة بين المثقف والمجتمع والبيئات المحلية ما هو سبب هذه العزلة؟

لا ترتقي حضارة دون احتكاكها واختلاطها مع ما حولها من الثقافات. ويذكر التراث قول المأمون بعد قراءته كتاباً مترجماً في الفلك، وقد ذكر له أنه من جامعة الإسكندرية، «هذه بضاعتنا ردت إلينا». فقد أيقن أن معلومات الكتاب، ذهبت وزحفت إلى اليونان والرومان ثم ترجمت وعادت لأصلها السوري، ولو كانت صادرة عن الإسكندرية..
بموازاة ذلك فقد تغير الزمن، وتطور الفكر البشري، وحتى المعطيات الدينية يلزمها تطوير للحفاظ عليها. فالدين مجموعة أنظمة وعلاقات تنظيم اجتماعية معينة وأحكام تشريعية لمجتمع ما، في زمن ما، ومكان ما. غير أن المجتمع لا يمكن أن يتطور بالحالة الروحية وحدها، وهناك ضرورة للعلم والعقل.
الشارع السوري ناضج ثقافياً، العزلة سببها حالة القمع لفترة طويلة وخاصة للمثقفين والسياسيين. مما أعطى مبرراً للتقوقع والانعزال، ومن صفات الإنسان المتقوقع أنه يلوم الناس البسطاء على واقعهم. بالإضافة لتخلف الجامعات وتراجعها للوراء وأنا أتكلم هنا من تجربتي في قسم العمارة، والسبب هو صعود المتسلقين وتحييد الفاعلين.

كيف ترى علاقة الإبداع بالحرية؟

لا إبداع دون حرية، ولا حرية دون ديمقراطية. المشكلة تكمن في الرقابة على كل شيء، الصحافة، الكتب.. الخ، حتى اللوحات، تصوري أنه يوجد لجان تمنع عرض بعض اللوحات بسبب مضامينها، ومنها بعض لوحاتي..
هل يمكن للفنان أن ينتج دون تبنيه لقضية معينة؟ وهل يمكن أن يكون الفن حالة جمالية بحتة؟
لولا الليل لما كان النهار، ولولا القبح لما كان الجمال. هذه الثنائيات الأبدية لا يمكن إلغاؤها أو تجاهلها، فكيف أميز الجمال إذا لم أشاهد القبح، والعكس صحيح؟
يوجد تعالٍ على الجمهور، لا أعرف سببه. قال لي أحدهم مرة: إذا زرت روما يوماً فستقرأ تاريخها وربما تاريخ إيطاليا كله من ساحاتها وتماثيلها ونصبها.. الخ ولكن عندنا من يحاول إلغاء المضمون من خلال التجريد والعمل فقط على الشكل.
أذكر أنه بعد الحرب عام 1973، حضرت بعض المعارض التي كانت في أغلبها تجريدية وقلت على الملأ: «لماذا هذا التعالي على الجمهور»، فإذا كان الفنان قادماً من باريس فليرسم تجريداً كما يشاء، ولكن ليس في دمشق، ليرسم في باريس.. أما في دمشق الخارجة لتوها من أتون الحرب فماذا يعني ذلك؟ وكان الناس يحضرون هذه المعارض ويضحكون عليها، ولسان حالهم يقول ما هذا؟ ومعهم حق.. إذا أردت أن تعرض هنا، فيجب أن تعرض حالة المجتمع بعد الحرب، وكانت لي تجربة شخصية حيث قمت بجمع الشظايا وعملت منها معرضاً وأنشدّ الناس إليها، لأنهم كانوا خارجين من أتون الحرب.

في روايتك «أطياف الأميرة نرسيسا» محاولة لاختزال التاريخ، هل يمكن أن نعيش ماضينا الغابر في زمننا المعاصر؟

إحدى الثنائيات هي الماضي والحاضر، لا حاضر دون ماضي ولا مستقبل دون حاضر، اعتبر هذه الرواية رؤية سبقية، مبنية على حلم راودني، الحب الذي جمع نرسيسا وعوني في الرواية كان محاولة لإظهار الموروثات والرغبة المدفونة منذ أكثر من 2400 عام في الأساطير..!!

حاورته: إيمان ذياب*