المقاومة وصراع الوجود

المقاومة وصراع الوجود

تقدم المقاومة الفلسطينية اليوم وخلفها صمود الشعب الفلسطيني نموذجاً يستحق الدراسة كغيرها من منظومات المقاومة الحالية أو تلك التي مرت في التاريخ، فهي تشكل مدرسة فكرية وسياسية وعسكرية وأخلاقية... في عالم يتغير وتُخلق فيه فضاءات جديدة ويعاد فيه إنتاج المعنى الحقيقي للإنسان.

ما يجري في العالم اليوم من صراعات كبرى هي صراعات ممتدة بين منظومات، وليست حروباً عسكرية خاطفة، ولهذا تكتسب استراتيجيات وطرق إدارة الصراع أهمية عالية.

اعرف عدوك!

في صراع المنظومات، غالباً ما يلعب الوقت دوراً هاماً ويكون في مصلحة أحد المنافسين في بعض المجالات. هنا تأتي أهمية معرفة نقاط ضعف العدو واستغلالها لرفع نقاط القوة وتحقيق أفضلية محددة ضمن أولويات محددة في صراع شامل ومتعدد الأبعاد. فالعدوّ هو منظومة، وتشبه «المنظومة» الكائن الحيّ فهي تقوى وتضعف، ولهذا يصبح من الضروري معرفتها فكرياً وسياسياً ومعرفة مكوناتها وعلاقاتها ومعاييرها بحيث يمكن تحليل طرق عملها واستشفاف تأثير الوقت وتغير موازين القوى فيه عليها، واستشفاف «آثار الشيخوخة» أي نقاط الضعف والهشاشة التي يمكن الاستفادة منها، والتي يمكن أن تكون أزمة اقتصادية أو سياسية أو تحولات ثقافية ...إلخ، وتوظيف هذه المعرفة بحيث يصبح من الممكن التأثير واستنزاف العدو كلما لاحت الفرصة لذلك، إما من خلال تحقيق التفوق أو رفع كلفة ممارساته.
كما تعلّمنا دروس التاريخ غير البعيدة، يتبيّن اليوم بأنه لا يمكن هزيمة المقاومة الشعبية بالطرق العسكرية التقليدية، خاصة إذا كانت تملك عمقاً اجتماعياً وارتباطاً متجذراً في وجدان الناس الذين تمثلهم. تأخذ المقاومة هنا طابع نظام تراكمي قد يسير ببطء أو تمر عليه لحظات تراجع مؤقت، ولكنه يسير بثبات ويحقق النتائج بشكل تدريجي، ويستلزم الصبر والصمود والثبات، ولا مثيل لصبر الشعب الفلسطيني وصموده في الوقت الراهن، صبرٌ تجاوز حدود الاحتمال، صبرٌ أذهل العدو قبل الصديق. كما يتطلب أيضاً القدرة على المخاطرة، ولا مثيل لقدرة الشباب الفلسطيني على اقتحام الموت وإظهار حالة أسطورية من البطولة المستمرة بين الأجيال المتعاقبة وكان آخرها ما صورته الفيديوهات والصور في المعركة المستمرة في غزة. ويتطلب أيضاً تنويع طرق التعامل مع العدو واستثمارها إلى أقصى درجة وإضعاف الأساس الإيديولوجي الذي تستمد نخب العدوّ منه مشروعيتها وكشف قدرة وإمكانيات نموذج الطرف المقاوم مقابل تخلّف نموذج العدوّ في المجالات الاخلاقية والسياسية والثقافية والفكرية كافة.... وهنا أيضاً أظهرت المقاومة تفوقها في تعاملها مع الأسرى وفي كشف كذب وزيف الادعاءات الصهيونية عن أحداث السابع من أكتوبر الماضي مقابل العنف وتوحش الاحتلال في حربه التي أخذت شكلاً انتقامياً وصل إلى درجة الإبادة الجماعية.

إن لم تحطم عدوك فامنعه من التقدم!

عندما لا يكون من السهل تحديد متى تقترب الفرصة لتحطيم العدوّ، فينبغي على الأقل منعه من التقدّم. تعاني المنظومة الغربية الداعمة للكيان الصهيوني عامة والأمريكية على وجه الخصوص من عدة أزمات، الأساسي فيها هو الأزمة الاقتصادية العالمية العميقة وتجلياتها اللاحقة وتطورها باتجاه الانتقال إلى طور جديد وإمكانية تحولها إلى أزمة سياسية اجتماعية. الأمر الذي يشجع خصومها على استنزافها ومشاغلتها ومنعها من الاستقرار، وصولاً إلى كسر إرادتها السياسية. إنها لحظة استثنائية لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم ومنطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تتشعّب الأزمات وتتراكم عوامل عدم الثقة والقلق داخل المنظومة الغربية نفسها، وتتعرض لضغوط دولية مختلفة بسبب تغير موازين القوى في النظام العالمي، إضافة إلى التقلبات الحادة في الداخل الأمريكي سواء حول السياسات الخارجية لأمريكا أو السياسات الداخلية وانخفاض مستوى الرضا الاجتماعي للشعب الأمريكي. فضلاً عن حجم المشاعر المعادية للأمريكيين والصهاينة والتي تتراكم بكثافة في المنطقة. وبهذا المعنى تمثل غزة ومقاومتها حلقة في سلسلة من الاضطرابات المختلفة حول العالم وفي المنطقة.
أما على الجانب الآخر، تحولت المساندة العسكرية والسياسية والإعلامية من حلفاء المقاومة الفلسطينية في الإقليم بوجه الكيان الصهيوني إلى تجربة لافتة، وأثبتت أن علاقة المقاومة بحلفائها تتسم بالتركيب والتعقيد والتفاعل وهي ليست مجرد علاقة بوكلاء أو «أذرع»، ولا هي مجرد منظمات «إرهابية» معزولة كما توصّفها وتحاول تصديرها الماكينة الإعلامية المرتبطة بالمصالح الغربية والأمريكية. بل على العكس من ذلك أثبتت ما تتسم به من كفاءة وقدرة وتصميم، رغم الفوارق الهائلة بينها وبين المنظومة الأمريكية والصهيونية بمختلف المجالات. فلقد بُنيت منظومة المقاومة ونمت وتطورت تحت النار وفي ظل خيارات صعبة إلى درجة أنها بدت في بعض الأحيان مستحيلة، ولكنها حققت إنجازات وفرضت وقائع ومعادلات تشكّل منها بذور مشروع هوية جديدة للمنطقة. وهي لا تزال تحت الاختبار والتحدّي الذي يستوجب درجة عالية من الوعي والصلابة.
لم تأت هذه المساندة من عبث أو ترف، بل كانت تعبيراً عن تلك الخيوط التي تجمع شعوب المنطقة وتوحد مصائرهم، كالمصالح المشتركة والهوية الجمعية والحقوق المسلوبة.... إلخ، والمتناقضة مع مصالح الأنظمة التابعة للمنظومة الغربية وحكامها.
يشكل الانحياز للشعب الفلسطيني ومقاومته ورقة عباد الشمس للاختبار والكشف عن مصداقية الارتباط بقضية حقوق الشعب الفلسطيني والشعارات المرتبطة به. إنها تجربة إضافية أثبتت عمق الصلات والروابط التي تجمع هذه الشعوب والتي لم تختلف يوماً عليها!

القرارات الصعبة

تحتاج القرارات الصعبة إلى حزم وجزم، وقد أظهرت الوقائع وجود كتل اجتماعية وازنة اختارت، رغم عدم امتلاكها موارد مادية كافية ورغم أنها تعمل في ظروف صعبة، أن تضحي وتدفع أثماناً وتغامر في الدخول بالحرب من أجل التأثير في موازين القوى لمصلحة المقاومة الفلسطينية. إنّ التغيير في الواقع الحالي يفترض الانطلاق من منجزات وتجارب قادرة على إنتاج تصورات مختلفة عن الوضع القائم ومآلات الصراع. وقادرة على بناء وتأسيس حراك فكري وسياسي وإعلامي...إلخ يتجاوز تلك البنى المنحازة للعدو سواء بإعلان أو من دونه، فالأكثر أهمية من النوايا والآمال، تلك الإنجازات المحققة في معادلات القوة، صغيرة كانت أم كبيرة، ومن خلال مراكمة مصادر القوة الداخلية والذاتية من ناحية والتموضع في شبكة من التحالفات الخارجية الفاعلة من ناحية أخرى.
ما زال الشعب الفلسطيني صامداً وقواه الحية ومقاومته لن تتراجع، بسبب إيمانها العميق بأن «كل ما تدفعُه في المقاومة إذا لم تحصده في حياتك، فستحصل عليه لاحقاً، فالمقاومة جدوى مستمرّة، وإن القادم أفضل، وبأنَّه من المهم أن نقاوم كفعل حياة» كما عبّر عنها المثقف المشتبك الشهيد باسل الأعرج.
في الحرب الدائرة على الأراضي الفلسطينية اليوم، لسنا مشاهدين ولسنا جمهوراً، بل نحن أهل الحرب بمنجزاتها ومآسيها. والدم المسفوك في غزة دمنا وشهداؤها شهداؤنا وكل من يختار أن يكون متفرّجاً، فإنه صار مشروع ضحية مؤجلة!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1173
آخر تعديل على الإثنين, 06 أيار 2024 18:43