هل يمكن الوصول لحل دون أمريكا؟

هل يمكن الوصول لحل دون أمريكا؟

«99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا»... كذلك قال أنور السادات قبل نصف قرن من الآن. واستخدم هذه المقولة لتبرير وشرعنة الانعطافة السياسية الكبرى في كامب ديفيد، والاقتصادية الكبرى داخلياً باتجاه لبرلة شاملة، لا تزال مصر ومعها المنطقة بأكملها، تعيش آثارهما المدمرة..

ورغم أنّه ليس من الصعب الجدال بأنّ مقولة السادات كانت خاطئة حتى في ذلك الوقت، بل وحتى في لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي؛ إذ لم تمر لحظة في التاريخ كانت فيها 99% من الأوراق بيد طرفٍ أياً يكن، ولكن مرّت لحظات كثيرة شاء فيها قادة دولٍ أن يتخلوا عن أوراقهم لمصلحة الآخرين...
رغم مرور كل هذا الوقت، ورغم الوقائع التي تفقأ العيون حول العالم، إلا أنّه ما تزال هنالك أصوات، من وهنا ومن هناك، تكرر العبارة ذاتها بأشكالٍ مختلفة.
أحد هذه الأشكال هو النمط من التحليلات الذي يصل بطريقة ما، مليئة بالتناقضات وحتى بالأعاجيب، إلى أنّ أمريكا هي من تشغل إيران وتشرف على عملها في المنطقة، وأمريكا هي من أعطت الضوء الأخضر لروسيا للتدخل في سورية، وهي من دفعت دول الخليج إلى إعادة سورية للجامعة العربية... وأمريكا هي من خططت مع إسرائيل لـ 7 أكتوبر، وحماس ليست إلا أداة بيدهم... وإلخ وإلخ... باختصار: أمريكا هي ربّكم الأعلى... فاعبدوه!
السادات ليس أول ولا آخر منظري سوبرمانية الولايات المتحدة؛ بل ويمكن القول: إنّ الأمريكان أنفسهم ليسوا المروجين الأساسيين لتلك السوبرمانية، وإنما أتباعهم حول العالم، وخاصة من فئة «المثقفين الليبراليين»، وهذا الأمر ليس مصادفة بطبيعة الحال؛ فالهيمنة الأمريكية خلال نصف القرن الماضي على الأقل، ومع انتقال مركز الإنتاج نحو الشرق، ومع طباعة الدولار بلا قيد أو شرط، ومع تضخم الدّين المحلي بصورة فلكية، باتت أقرب إلى آلة عملاقة لـ«التسويق الهرمي»، الذي لا ينتج أي بضاعة ملموسة، ويعتمد بالكامل على التوسع المستمر، والتوسع هذا يحتاج إلى مزيدٍ ومزيدٍ من الدعاية.

ما هو «الحل الأمريكي»؟

قبل أن ننظر في إمكانية الوصول إلى حل في سورية دون أمريكا، ربما من المفيد أن نحاول تشكيل تصورٍ عن ماهية «الحل الأمريكي» في سورية. وفي هذا الإطار، ربما من المفيد أيضاً أنْ ننظر إلى حالات كانت فيها معظم «أوراق اللعبة في يد أمريكا»؛ في العراق مثلاً، أو في أفغانستان، وحتى في لبنان أيام اتفاق الطائف، وفي السودان وغيرها...
المثال العراقي يختصره ويكثفه دستور بريمر الذي كرّس انقساماً طائفياً وقومياً مصحوباً بتخلف اقتصادي وسياسي سيحتاج العراق معه عقوداً ليتعافى. ربما لا يعرف كثيرون أنّ العقوبات التي فرضها الأمريكان على العراق أيام صدام حسين ما تزال سارية بمعظمها حتى اللحظة. بل وتم فرض ما هو أسوأ من ذلك؛ عشرات مليارات الدولارات التي يبيع العراق بها نفطه سنوياً، لا يتم استلامها من قبل العراق، بل يسلمه المشترون إلى البنك الفيدرالي الأمريكي، الذي يتحكم بطريقة وصولها إلى العراق، ويمكنه أن يحجبها أو يجمد أجزاء منها متى شاء، وتحت أي حجة كانت... وهذا ليس إلا جانباً واحداً من جوانب الكارثة العراقية.
بالنسبة لسورية، فإنّ «الحل الأمريكي»، هو ذاك المحمول على شعاري «تغيير سلوك النظام» و«خطوة مقابل خطوة»؛ والذي يعني بالجوهر استمرار تقسيم سورية ضمن تقسيمات الأمر الواقع القائمة، وتكريس تلك التقسيمات، وشرعنة كل السلطات القائمة، إضافة إلى إنهاء أي دور عضوي لسورية ضمن المنطقة وخاصة تجاه القضية الفلسطينية، بالتوازي مع استكمال لبرلتها وإنهاء أي قدرات إنتاجية فيها، واستكمال تحولها نحو بؤرة لنشاط رأس المال المالي الإجرامي عبر المخدرات وغيرها، ومع استمرار العقوبات ودون إعادة إعمار «اللهم إلا من تلك التي على طريقة سوليدير أو المنطقة الخضراء، حيث يتم خلق جزيرة صغيرة لموظفي الاحتلال الأمريكي الاقتصادي ضمن صحراء مدمرة مقفرة»... (انظر مادة مركز دراسات قاسيون في العدد الماضي من قاسيون على الرابط المرفق: من «تغيير سلوك النظام» إلى «خطوة مقابل خطوة» أين وصلت اتفاقات تحت الطاولة مع الغرب؟).
«الحل الأمريكي» كابوسيٌ إلى ذلك الحد الذي يجعل حتى أولئك الذين «يبشروننا» بأنّ «أوراق اللعبة بيد أمريكا»، لا يجهدون أنفسهم في أن يشرحوا لنا أيّ مصير ينتظرنا في حال اكتمل تحقق «الكابوس الأمريكي» في بلداننا...

هل هنالك حلٌ دون أمريكا؟

مقولة أنّ إغضاب المستعمر دائماً أقل كلفة من إرضائه، ما تزال صحيحة وراهنة، وهي أكثر وضوحاً وصحة لدى التعامل مع المستعمر الأمريكي الذي دمج شكلي الاستعمار القديم العسكري والجديد الاقتصادي في شكلٍ هو الأكثر وحشية عبر التاريخ.
حلٌّ بوجود أمريكا، يعني أننا، كسوريين، ينبغي أن نقدّم تنازلات معينة كافية لإرضاء الأمريكي. التنازلات التي يطلبها الأمريكي، ليس من القوى المسيطرة في المناطق السورية المختلفة فحسب، بل ومن الشعب السوري ككل، ومن سورية كدولة، تتلخص في أنه ينبغي على سورية أن تصل إلى نموذج أقصى طموحاته هو أن يكون تابعاً اقتصادياً، منخوراً بالفساد الكبير وبالصراعات المذهبية والقومية، ومتحكّماً به اقتصادياً، وذا إنتاجيةٍ منخفضةٍ ومتخلفةٍ، وجاهزاً للتقسيم الكامل في أي لحظة، وتابعاً بالكامل للمحور الغربي-«الإسرائيلي»... بهذه الطريقة فقط يمكن إرضاء أمريكا، لأنّها في إطار صراعها على الهيمنة العالمية، تحتاج إلى فوضى شاملة هجينة في كامل المنطقة، وحالة الفوضى السائدة في سورية ينبغي أن تستمر وتتعمق بحيث تساعد في توسيع انتشار تلك الفوضى عبر الإقليم.
باختصار، فإنّ السؤال ينبغي أن يكون معاكساً؛ ليس: «هل هنالك حلٌ دون أمريكا؟»، بل: هل هنالك حلٌ بوجود واشتراك أمريكا... والجواب هو قطعاً لا، فالحل على الطريقة الأمريكية ليس حلاً بل مزيداً من التأزم والتعقيد والخراب... ولذا فالحل لا يمكن أن يكون إلا دون أمريكا، ويبقى السؤال حول كيف يتم ذلك، وما هي إمكانية ذلك.
كنقطة بداية، فإنّ التوازنات الدولية والإقليمية الجديدة، باتت تسمح بحلٍ متكامل دون - ورغم - التدخل الأمريكي (حتى مسألة الوجود العسكري الأمريكي، ليست معيقاً فعلياً، فوجود إرادة سياسية حقيقية لطرده عبر رفع تكاليف وجوده يمكنها أن تنهي ذلك الوجود في آجالٍ غير بعيدة).
الجانب الإشكالي الآخر في المسألة، هو الارتباط الوظيفي بين المتشددين والفاسدين الكبار في كل من النظام والمعارضة، وبين الأمريكي والغربي عموماً؛ فهؤلاء لا يرون مستقبلاً لهم إلا بتنفيذ الأجندة الأمريكية، وهم بذلك قصيرو النظر بشكلٍ ملفت، ولم يتعلموا شيئاً من كل التجارب سواء في الإقليم نفسه أو حول العالم؛ التجارب التي تقول: إنّ الأمريكي يُبدّل الأحصنة ضمن السباق، بالذات لأنه يراهن على خسارة تلك الأحصنة، وعلى خسارة تلك المجتمعات...
الحل دون الأمريكي ورغماً عنه هو الخيار الوحيد عملياً، وينبغي العمل عليه على أساس وطني، وبالتعاون مع الدول التي لها مصلحة مباشرة في تطويق الفوضى الأمريكية، وعلى رأسها أستانا والصين والدول العربية الأساسية، وعبر 2254، وصولاً إلى إعادة ولادة جديدة لسورية موحدة أرضاً وشعباً...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1162
آخر تعديل على الإثنين, 19 شباط/فبراير 2024 13:28