الأمريكي لاعباً في ليبيا: كيف غدت البلاد بؤرة؟
ليونيد إيسايف ليونيد إيسايف

الأمريكي لاعباً في ليبيا: كيف غدت البلاد بؤرة؟

كشفت أحداث «الربيع العربي» التي عصفت في شرق المتوسط عن تحديات عديدة، وغالباً هائلة، لطالما تجاهلها الحكام العرب لسنوات عديدة. وفي حين كانت الحركة الشعبية مهلكاً للسلالات الحاكمة في بعض البلدان، لا تزال في طورها الأول في بعض الدول داخل المنطقة، ويبدو أنها ستتخذ وقتها المطلوب موضوعياً قبل أن تنجز المهام المطلوبة منها.

في ليبيا، تبرز مسألة الحفاظ على البلاد في حدودها الحالية، بعد غزو حلف «الناتو» لها، بوصفها المسألة الأكثر حدة. إذ تنقسم البلاد، ليس فقط على طول حدود المناطق التاريخية الثلاث- برقة وطرابلس وفزان- ولكن حتى هذه المناطق أيضاً مقسمة إلى العديد من الأجزاء غير المستقرة، والمتذبذبة بين مراكز السلطة السياسية في البلاد.

من حكومتين إلى ثلاث

تعقد الوضع في ليبيا بشكل كارثي بعد خسارة «المؤتمر الوطني العام» في الانتخابات في شهر حزيران من عام 2014، واستيلاء حزب العدالة والتنمية على السلطة في العاصمة، ما اضطر خصومهم للتحرك في برقة. 

ومنذ ذلك الحين، يشهد هذا البلد ازدواجية في السلطة: في طرابلس، يستقر «المؤتمر الوطني العام» المعلن من جديد، والذي تشكلت على أساسه الحكومة، في حين أن القوى التي فازت في الانتخابات اضطرت لأسباب أمنية للانتقال إلى طبرق، حيث بدأ مجلس النواب والحكومة التابعة له أعماله في أحد فنادق المدينة.

ومنذ ذلك الوقت، توجد في ليبيا حكومتان وبرلمانان متوازيان، لا يعترفان ببعضها البعض ويشككان في شرعية بعضهما. ورغم أن النظام في طبرق يحظى بالدعم على الساحة الدولية، بعد أن تم الاعتراف به من قبل المجتمع الدولي، تمكنت السلطات في طرابلس من الطعن في نتائج انتخابات مجلس الشورى في المحكمة العليا في ليبيا، التي أصدرت حكماً بضرورة حل مجلس النواب.

وبدأت التناقضات بين القطبين السياسيين في الظهور قبل انتخابات عام 2014، وهي أيديولوجية في المقام الأول. بين القوى التي انتقلت إلى طبرق، و«الإسلاميين»، الذين احتفظوا بالسلطة في طرابلس، حيث كان الدور الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية».

توسع الانقسام بين الحكومتين بعد وصول الرئيس السيسي إلى السلطة المصرية في تموز من عام 2013. والحقيقة هي أنه على مدى 80 عاماً من وجودها، قامت حركة «الإخوان المسلمين» في مصر، بجهود ضخمة للتحول من منظمة إرهابية متطرفة، إلى حركة سياسية قانونية، وتوجت هذه الجهود في العام 2012، عندما تمكنت الحركة بوسيلة قانونية تماماً (الانتخابات) من الوصول إلى السلطة في بلد مهم في المنطقة. 

وهذا بدوره أدى إلى إطلاق يد «الإخوان»، ليس في مصر فقط، ولكن أيضاً في بلدان أخرى حيث كانت لديهم فروع. وتمكنت الحركة من ترسيخ صفة «الإسلاميين المعتدلين»، لتصبح شريكاً كامل الحقوق في العملية السياسية.

ومع ذلك، اعتقال الرئيس المصري، محمد مرسي، وغيره من قادة «الإخوان المسلمين» والاعتراف اللاحق بالحركة على أنها إرهابية، كان شديد الضرر بمواقعهم في المنطقة، بما في ذلك في ليبيا، حيث تم إنشاء حزب «العدالة والتنمية» على النمط الاسلامي المصري، وكان الحزب جناحاً سياسياً ليبياً لحركة «الإخوان».

وتفاقم الوضع بسبب حقيقة أن ليبيا شهدت توسع نشاط الهياكل المتطرفة حقاً، والمرتبطة بدرجة أو بأخرى بـ«تنظيم القاعدة»: على سبيل المثال، «كتيبة 17 شباط» و«أنصار الشريعة»، والتي، على وجه الخصوص، مسؤولة عن الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتل السفير الأمريكي، كريستوفر ستيفنز، في العام 2012. 

ونتيجة لذلك، فإن الحدود بين «الإسلاميين المعتدلين» و«الراديكاليين»، وهي اصطلاحات للتفريق بينهما فقط، أصبحت متماهية بشكل متزايد. وأخيراً، في نهاية عام 2015، ظهر في ليبيا قطب السلطة الثالث: «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة فايز السراج. وتم إنشاء هذه الحكومة وفقاً لاتفاقية «الصخيرات» التي وقعت في المغرب بدعم من الأمم المتحدة. ولكنها لم تتمكن حتى الآن من أن تصبح قوة موحدة يمكنها أن تضع حداً لازدواجية السلطة في ليبيا. وبدلاً من توحيد البلاد، أصبحت تلك الأخيرة غارقة في نزاع بين ثلاث قوى سياسية: فبالإضافة إلى حكومتي طبرق وطرابلس، تمت إضافة حكومة منفى جديدة، تستقر مؤقتاً في تونس.

مناطق النفوذ

الحكومات الليبية الثلاث، تشعر الآن بالقلق الأشد بشأن قضية واحدة– وحدة أراضي الجمهورية. فمعظم أراضي ليبيا توجد خارج إطار تأثيرهم الحقيقي. أما حكومة فايز السراج ليس لها دعم أو تأثير على الأرض، ما يجبرها على البقاء في تونس المجاورة.

في طرابلس، حال الحكومة أفضل نوعاً ما، ولكنها في واقع الأمر تسيطر فقط على العاصمة وضواحيها، ما يجعل موقفها ضعيفاً إلى حد ما. فأولاً: ليس لديها إمكانية الوصول إلى حقول النفط في طرابلس في أقصى الشمال الغربي، فضلاً عن ابتعادها عن قنوات نقل وتصدير النفط. ثانياً: هذه المنطقة تشهد أقوى نشاط للمتطرفين، وخصوصا تنظيم «الدولة الإسلامية».

ثالثاً: الوضع الدولي للرعاة الرئيسيين لحكومة طرابلس- قطر وتركيا- الآن ضعيف. ودعم «الإخوان المسلمين» بعد العرقلة الجماعية لقطر من قبل المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تمت في 2013- 2014، إلى حد كبير، اضطر الدوحة للتخلي رسمياً عن طموحاتها الجيوسياسية. والأحداث الأخيرة في تركيا، ضمنت خروج القضية الليبية من إطار الاهتمامات السياسية الخارجية لأنقرة.

في هذه الظروف، توجد حكومة طبرق في أحسن الحالات مقارنة بالحكومتين المذكورتين، فمن خلال العديد من المعارك، تمكنت من احتلال عاصمة برقة– بنغازي، وبسط نفوذها في أنحاء الساحل الشرقي للبحر المتوسط جميعها، من الحدود المصرية إلى ميناء رأس لانوف النفطي، وحقل نفط سارير في محافظة الواحات، فضلاً عن ميناء مرسى هريجة في أقصى الشمال الشرقي من البلاد، ما يسمح لسلطات طبرق بتنفيذ عقود تصدير النفط. وبالإضافة إلى ذلك، تتمتع حكومة طبرق بالدعم الوثيق من السعودية ومصر والجزائر والإمارات.

المشكلة الرئيسية لحكومة طبرق، هي أن منطقة نفوذها بلغت ذروتها بالفعل. فمن غير المرجح أن الحكومة ستتمكن من تحقيق الاعتراف في فزان، حيث تكثفت المشاعر الانفصالية في السنوات الأخيرة بشكل كبير، وحتى أكثر من ذلك في طرابلس، حيث تزداد شعبية القوى المتطرفة من المشارب المختلفة. ودليل واضح على ذلك، هزيمة وحدات طبرق العسكرية برئاسة خليفة حفتر بالقرب من طرابلس، وكذلك الوضع في منطقة رأس لانوف، التي تقع عند تقاطع طرابلس وبرقة، حيث تنتقل السيطرة تارة ليد القوى المحسوبة على «الإخوان المسلمين»، وتارة ليد الطبرقيين.

«داعش» ورد فعل الغرب

منذ بداية عام 2015، أصبح تنظيم «الدولة الإسلامية»، لاعباً مؤثراً آخر في ليبيا، وهو يسيطر على جزء كبير من محافظة سرت على الساحل وحقول نفطها. وتضم صفوف «الدولة الإسلامية» مقاتلين يبلغ عددهم وفقاً لبعض التقديرات، ستة آلاف شخص، من بينهم الكثير من الأجانب. 

تعزز قوة «الدولة الإسلامية» في ليبيا، جعل البلاد في الواقع ثاني أهم بؤرة للتنظيم في العالم بعد الساحة السورية- العراقية. ولكن الخطر الأكبر تمثله إمكانية التنظيم التوسعية، الموجهة في المقام الأول إلى الشرق. فلدى التنظيم أولوية قصوى للسيطرة على ميناء رأس لانوف، والذي يتم من خلاله تصدير معظم النفط الذي ينتج في حقول سرت، التي تركز حوالي 89٪ من احتياطيات النفط في البلاد. السيطرة على هذه النقطة الاستراتيجية، قادرة في النهاية على تحويل «الدولة الإسلامية» في ليبيا إلى هيكل مكتف ذاتياً، يملك قاعدة موارد قوية.

هذا الاحتمال السار للقوى الغربية التي رعت نشأة تنظيم «الدولة الإسلامية» (وخاصة الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة)، دفعها للتدخل بقوة في الوضع في ليبيا. وفي السنوات الأخيرة، حاول «حلف شمال الأطلسي» المساعدة على تحرير البلاد تدريجياً من «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى، ولكن حتى الآن، ترفض دول التحالف تحمل عبء القتال إلا بأيدي الليبيين أنفسهم. إذ قاموا بتدريب الجيش الليبي، وزودوه بالأسلحة، وقصفوا مواقع «داعش»، وأرسلوا وحدات محدودة من القوات الخاصة والقوات المسلحة للتنسيق مع وكالات إنفاذ القانون المحلية.

لمكافحة «داعش»، فإن هذه الخطوات لم تكن كافية أبداً، ولن تكون. والمشكلة تكمن هنا في حقيقة أن المعركة الناجحة ضد الارهاب في ليبيا، غير ممكنة إلا بناءً على حل يحمل هدفين يستبعد كل منهما الآخر. أولاً: أي دعم جوي أجنبي لن يؤدي إلى نتائج، إلا بالتزامن مع المزيد من الإجراءات الفعالة للقوات البرية. وهذا ممكن فقط في حال اعتماد حكومة طبرق على السكان المحليين، الموجودين على الأراضي التي تسيطر عليها «داعش»، إلا أن ولاء قبائل سرت لـ«الدولة الإسلامية» يجعل نجاح هذا الأمر مشكوكاً فيه.

ثانياً: زيادة الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا، وخاصة العمليات البرية، ما سيزيد فقط من شعبية «الدولة الإسلامية» في نظر السكان المحليين، التي ستصبح رمزاً آخر لمحاربة المتدخلين في الشؤون الليبية. ونظراً لمحدودية موارد الحكومات الثلاث، التي يسعى الغرب لتنسيق أعماله معها لمكافحة المنظمات الإرهابية في ليبيا، فمن غير المحتمل كسر الاستعصاء دون توسيع حلف شمال الأطلسي لقواته في البلاد.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الدول العربية، خصوصاً المجاورة لليبيا– أي تونس ومصر والجزائر- تعارض العملية العسكرية الغربية في ليبيا، لأنها يمكن أن تتسبب في تدفق اللاجئين وزيادة الميول نحو التطرف.

معضلة اللحاق بالركب

الوضع في ليبيا أصبح مثيراً للجدل بشكل متزايد. من ناحية، يرفض المجتمع الدولي التدخل في الشؤون الداخلية الليبية بعد أن أظهرت الإطاحة بالقذافي إنعدام الكفاءة التام لدى السلطات الليبية. التي لم تكن قادرة على حل مستقل للأزمة، ما تسبب بضم البلاد إلى قائمة «الدول الفاشلة»، وتحولها لقاعدة للقوى الفاشية الجديدة مثل «الدولة الإسلامية».

الآن ليبيا بؤرة للصراع، الذي انتشر وينتشر في أفريقيا والعالم العربي والبحر الأبيض المتوسط. وضع ليبيا السابق باعتبارها المورد الرئيسي للأسلحة غير المشروعة إلى أفريقيا، من مالي إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، ونمو النشاط الإرهابي في المغرب العربي، وخاصة في تونس ومصر، وتهريب المهاجرين إلى أوروبا، الذي تحتكره «داعش» في الواقع، كل هذا يجعل الأزمة الليبية ليس فقط إقليمية، ولكن ذات بعد عالمي، يتطلب دوراً أكبر للقوى الدولية الصاعدة التي ترفض رؤية ليبيا بين أنياب القوى الغربية.

من ناحية أخرى، التجارب الفاشلة بشكل خاص في حل النزاعات في العالم العربي، بما في ذلك في ليبيا نفسها، التي لا يمكن أن تتباهى بها الدول الغربية، لا تقدم أي ثقة بأن التدخل العسكري هذه المرة، يمكن أن يكون مفيداً. على العكس من ذلك، مثل هذا التدخل لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة الليبية وسيسبب رفضاً قوياً لمبادرات «الناتو» العسكرية، من قبل الحكومتين المحلييتين على حد سواء. وستبقى هذه المشكلة دون حل، طالما أن معركة المجتمع الدولي ضد الإرهاب ستظل تحمل طابعاً انفعالياً أكثر منه استراتيجياً، ما يجعلها في موقف الخاسر الذي يحاول اللحاق بالركب، ما يعني فعلياً أن نشاطاً أكبر للدول التي تدور حول محور «بريكس» ومنظمة «شنغهاي» هو وحده الكفيل بإيقاف حمام الدم الليبي، والنهب المباشر الذي يقوم به الغرب إزاء مقدرات البلاد.

ليبيا: أرض للتجارة في «الاقتصاد الأسود»

ازدهرت أعمال التهريب والتجارة غير المشروعة، وشبكات الجريمة المنظمة أصبحت أكثر تعقيداً، وهي تغذي حالة انعدام الاستقرار في المنطقة كلها، وعن طريق عائدات هذا النشاط يتم تمويل الميليشيات العسكرية، والمنظمات الإرهابية التي تتحرك بحرية، وتساهم في هذه النشاطات ليس داخل ليبيا فقط، وإنما تتجاوز الحدود إلى مالي..

وقد أصبحت ليبيا أهم محور في الإتجار بالبشر، وتقدر قيمة هذا النشاط في البلاد بـ300 مليون دولار في السنة. وهو أكثر ربحاً من أشكال التهريب الأخرى، لتجذب أيضاً العديد من الجماعات الإرهابية لممارسة هذا النشاط، وخاصة في الجزء الشمالي من البلاد بالقرب من المدن الساحلية.

ازداد نشاط عصابات الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين عن طريق طرابلس وسرت وبنغازي، ليس فقط من الشرق الأوسط وإفريقيا بل لكل الباحثين عن ملجأ آمن في أوروبا حتى خرجت أعدادهم عن السيطرة وبلغت مئات الآلاف، وعبر هذا القطاع تنشط جماعات مثل داعش، وتعتبر الطريق الليبية أخطر الطرق، حيث يغرق الكثير من اللاجئين في البحر، وتبلغ تكلفة المرور إلى ليبيا 1000 دولار، ومنها إلى أوروبا عبر البحر 2000 دولار وعادة ما يتعرض المهاجرون إلى الاعتداء الجسدي والجنسي، ويتم إجبارهم على العمل لعدة أشهر في محطات وسيطة طول طرق التهريب، وهو إجراء شائع للغاية.

يضاف إلى ازدهار تجارة الأسلحة والمخدرات والأدوية المحرمة والسلع الاستهلاكية المزيفة ونقل المهاجرين، ما تشير إليه التقديرات بأن 20 طناً من الكوكايين تدخل أوروبا عبر هذا الطريق، والربح يمكن أن يصل إلى أكثر من 1 مليار دولار سنوياً، لتمول العديد من الجماعات المسلحة نشاطها من تجارة القنب والكحول والتبغ عبر مالي لتحقق بدورها أيضاً أرباحاً سنوية قدرها 1 مليار دولار.

 

*عن موقع مركز «كارنيغي» الروسي

آخر تعديل على السبت, 06 نيسان/أبريل 2019 00:03