Skip to main content

اقتصاد (3543)

استضاف قصر الشعب في دمشق، يوم الخميس الماضي 24 تموز 2025، فعاليات منتدى الاستثمار السعودي السوري بحضور رسمي رفيع المستوى من الجانبين. ويُعد هذا المنتدى الأول من نوعه بين البلدين منذ سنوات طويلة، مما أكسبه أهمية خاصة. وفي ختام المنتدى، أعلنت الحكومة السورية توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم (نحو 47 اتفاقية ومذكرة) في مختلف القطاعات، بقيمة إجمالية تُقدَّر بنحو 6.4 مليارات دولار أمريكي. بطبيعة الحال، أثار هذا الرقم الضخم اهتماماً واسعاً، لكنه في الوقت نفسه ترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة تلك الاتفاقيات، إذ لم يتضح بعد بشكل دقيق ما هي حصة الاتفاقيات النهائية المبرمة فعلياً ضمن هذا الرقم، وما هي حصة مذكرات التفاهم المبدئية التي قد يتم التفاوض عليها لاحقاً أو ربما لا يتم تفعيلها على الإطلاق. وبالتالي فإن المحصلة المُعلَن عنها، رغم ضخامتها على الورق، تستدعي قراءة متأنية لتمييز الالتزامات الحقيقية عن مجرد النوايا المعلنة.

تزداد عصابات المخدرات الأوكرانية ثراءً ونفوذاً، ومع توسع إنتاجها تجد أسواقاً جديدة في أوروبا الغربية. وقد كتبتُ مؤخراً عن احتمال تعاطي الكوكايين بين كبار السياسيين والنخب الأوروبية في أعلى مستويات حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. برأيي، فإنّ هولندا المتساهلة - بما في ذلك كبار ساستها - قد لوّثت بقية أوروبا بثقافة المخدّرات، وتحديداً الكوكايين.

الآن، وبعد عقودٍ من دمار الاقتصاد السوري الممنهج تحت حكم عائلة الأسد، يتفق السوريون بمختلف انتماءاتهم على أن القضاء على الفقر يشكل الأولوية القصوى لإعادة بناء سورية. لقد أدت سياسات النظام السابق، التي طبقت فعلياً وصفات اقتصادية نيوليبرالية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بالإضافة إلى الحرب والعقوبات الغربية المدمرة، إلى انهيار الاقتصاد وتدمير البنية التحتية، فضلاً عن نزوح الملايين وعجز غالبية السكان عن تأمين احتياجاتهم الأساسية. وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، يعيش تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، و66% منهم في فقر مدقع. اليوم، مع سقوط السلطة السابقة، نتفق على ضرورة تركيز جهود إعادة الإعمار على إنهاء الفقر كخطوة نحو الاستقرار الفعلي. لكن ربما ما نختلف عليه هو الطريقة.

في أول درسٍ لي في الاقتصاد خلال فترة الدراسة الجامعية، بدأ أستاذ المادة بالحديث عن عبارة «تدبير شؤون الدولة ورعاية الشعب» باعتبارها التفسير الأصيل لمعنى الاقتصاد. لكن لطالما اعتبرت المدرسة الغربية السائدة في الاقتصاد نفسها علماً طبيعياً يتمتع بـ«قيمة عالمية»، وقد قامت بتبسيط الظواهر الاقتصادية المعقّدة إلى معادلات رياضية ونماذج توازن رياضي. بُني علم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد على افتراض «الإنسان الاقتصادي العقلاني» وعلى «نظرية التوازن السوقي»، لتشييد صرح نظريّ يبدو متماسكاً من حيث الشكل. بيد أنّ هذا النموذج الذي يدّعي صفة «العلم الطبيعي» يخفي في جوهره حقيقة كونه وليد ظروف تاريخية محددة في الغرب، وخادماً لتوسّع الرأسمالية بوصفها أيديولوجيا أكثر من كونه علماً موضوعياً.

في التاسع من تموز 2025، أعلنت الرئاسة السورية عن ستة مراسيم جديدة دفعة واحدة، كان من بينها مرسوم يقضي بتعديل بعض مواد قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، القانون الذي يشكّل الإطار التشريعي الأساسي للعملية الاستثمارية في البلاد. وقد حمل هذا التعديل الجديد أهمية استثنائية في السياق السوري الراهن بالنظر إلى أنه يأتي في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ البلاد، مرحلة يُفترض بها أن تشهد مراجعة جذرية وشاملة لسياسات السلطة السابقة، لا إعادة إنتاجها. وما يزيد من حساسية الموضوع هو أن سورية ما تزال تفتقر إلى مؤسسات تمثيلية شرعية قادرة على مساءلة السلطة التنفيذية أو مراجعة خياراتها، في ظل غياب مجلس شعب منتخب، واستمرار تمركز القرار في يد السلطة التنفيذية. وبالتالي، فإن تعديل قانون الاستثمار لا يمكن النظر إليه كمسألة تقنية أو قانونية محضة، بل يجب قراءته بوصفه جزءاً من معركة أوسع حول مستقبل الاقتصاد السوري وطبيعته.

شهدت السياسات العامة في سورية تحت حكم الأسد - وفي القلب منها منظومة الأجور والدعم الاجتماعي - تحولاً تدريجياً نحو تفكيك منظومة الدعم الاجتماعي التي كانت تُعتبر إحدى الركائز الأساسية للاستقرار النسبي للدولة في العقود السابقة، ونحو تخفيض القيمة الحقيقية لأجور العاملين. ولم يكن هذا التحول فجائياً أو معلناً بوضوح، بل اتبع أساليب احتيالية اعتمدت على تقليص الدعم بصورة تدريجية بطرق مباشرة وغير مباشرة: ابتداءً من تقليص مبالغ الدعم التي كانت تُدرَج في موازنات الدولة، إلى تضاؤل الإنفاق الفعلي على بنود الدعم الاجتماعي، وصولاً إلى الإلغاء الكامل للدعم عن بعض السلع والمواد الأساسية، إما بوقف توزيعها عبر «البطاقة الذكية» سيئة الذكر، أو بإعلانات رسمية عن انتهاء دعمها مثلما حدث مع البنزين.

رغم أنّ الدولار الأمريكي يسير في مسارٍ هبوطي طوال العام، إلّا أنّ الانخفاضات الأخيرة تحمل دلالات أكثر إثارة للقلق. فالخسائر تأتي بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. عادة، يكون ازدياد الفارق في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة وغيرها عاملاً إيجابياً لصالح الدولار. ومع ذلك، فإنّ تراجع الدولار بنسبة 13.5 بالمئة هذا العام يبدو وكأنه يتسارع بطريقة تستدعي الانتباه، بحسب الاقتصادي روبين بروكس.

مع انتهاء النصف الأول من عام 2025، سجّل «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» ارتفاعاً في وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، حيث بلغ وسطي التكاليف نحو 14.4 مليون ليرة سورية، فيما قُدّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بـ9,060,771 ليرة.
يتوازى هذا الارتفاع مع تدهور متواصل في المستوى المعيشي، ورغم ارتفاع الأجور الرسمية بنسبة 200%، فإنها تظل غير قادرة على تلبية سوى يومين ونصف من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري. وتتفاقم هذه الفجوة مع تزايد أعداد المتضررين من انقطاع الرواتب وعدم انتظامها وارتفاع معدلات البطالة عموماً.

في الأسبوع الماضي، انعقد في لندن المؤتمر السنوي لجمعية الاقتصاد غير التقليدي AHE، وتعني التسمية الاقتصاديين: «الكينزيين الجدد، الماركسيين، أتباع سرافا، الاقتصاديين المؤسسيين-التطوريين، الاجتماعيين، النمساويين، والنسوييين»، حيث يجتمعون مع بعضهم بعض أثناء تقديم أوراق بحثية. إذاً، المؤتمر هو منتدى أكاديمي للاقتصاديين الذين لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من التيار السائد.

يحمل كثير من السوريين صورةً نمطية سلبية عن القطاع العام، مفادها أنه قطاع مترهل وفاشل ومحكوم بالخسائر المزمنة. وتُعزَّز هذه الصورة عبر الخطاب الرسمي والإعلامي الذي دأب لعقود على وصف مؤسسات الدولة بـ«الخاسرة» وعديمة الجدوى. فلا يكاد يُذكر القطاع العام إلا مقروناً بمفردات مثل البيروقراطية والفساد وضعف الإنتاجية، مقابل تمجيد متزايد لدور القطاع الخاص. ومما رسّخ هذه النظرة أن الكثير من شركات ومصانع الدولة شهدت تراجعاً فعلياً في الأداء والخدمات خلال العقود الماضية، وانخفضت قدرتها التنافسية، الأمر الذي عزاه البعض إلى كون الملكية العامة بطبيعتها غير كفؤة اقتصادياً. وهكذا، ترسّخت فكرة أن القطاع العام في سورية عاجز تماماً عن تحقيق النمو أو الربح، وأن الاعتماد عليه مضيعة للموارد، مما ولّد قناعة شعبية بأن الحل هو التخلي عنه لصالح قوى السوق والخصخصة. ويغذي هذه القناعة واقع المعاناة اليومية للمواطن في الدوائر الرسمية المزدحمة والإجراءات الورقية المطوّلة، حيث باتت مفردات الترهل والجمود ملازمة لصورة الموظف الحكومي والمنشأة العامة في الذهن السوري.

الصفحة 10 من 254