نقابات وعمّال (5655)
تعاني شركاتنا ومعاملنا المنكوبة بفعل انفجار الأزمة الوطنية، وما قبل انفجارها من اللصوص والمافيات وكل أشكال الفساد والنهب وخاصة في قطاع الدولة، وتشترك كلها في السطو على حقّ العباد وبالأخص الطبقة العاملة وحرمانها من حياة كريمة، ومازالوا يمضون في امتصاص دماء العباد حتى آخر قطرة، وتهجيرنا أو قتلنا جوعاً وفقراً، ويكنزون من عرقنا ذهباً وأموالاً تملأ فيها صناديقهم وودائعهم في البنوك المنتشرة على هذه البسيطة، ويقومون بتخديرنا وزيادة بؤسنا عبر تغيب نقاباتنا وعجزها.
تسيطر مظاهر الغضب على محيّا العمال كيفما اتجهنا، غضبٌ دفين تراكم خلال السنوات الطويلة الماضية، تلك السنوات المليئة باليأس والأوجاع اللحظية، فبغض النظر عمّا تعرض له كل عامل أو عائلة عمالية في تجربتها الخاصة مع الأزمة وتداعياتها، فالمشترك العام بين أفراد الطبقة العاملة بأسرها كان وما زال العنف الاقتصادي الممارس عليهم بشكل دائم ومستمر، وبوتائر شديدة تزداد مع ازدياد الزمن.
مسار النهوض العمّالي والنقابي تتوضح معالمه في أوروبا وأمريكا خاصة مع التغيرات الحاصلة في موازين القوى والصراع الدائر بين الناهبين والمنهوبين على الصعيد الدولي وعلى الصعيد المحلي لكل دولة
ما إن طرحنا سؤالنا على أبي عادل وهو رجل خمسيني يعمل في أحد معامل صناعة وحياكة القماش الموجود في المنطقة الصناعية بدمشق حتى استلم الحديث من بابه إلى محرابه وقال لنا معلش إسألك أنا وأنت جاوب عني وعنك كيف بدنا نعيش؟ شو لازم ناكل؟ لقمة الخبز ما بقا شبعناها؟ بتنام بتفيق بتلاقي المواد غليانة، عدا رفع الدعم.
هذه مداخلة تقدم بها أحد النقابيين من عمال القطاع الخاص، وقد تكون المداخلة الوحيدة التي طرحت مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات عنها باعتبارها تمس المصالح والحقوق المباشرة لعمال القطاع الخاص المغيب وجودهم في المؤتمرات التي عقدت، أو يكاد أن يكون مغيباً حيث لم يظهر صوتهم ومواقفهم بشكل واضح وجلي حيث يجب أن يظهر، وهذا مردّه إلى غياب دور النقابات عن الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم، وبالتالي تركهم لقدرهم يصارعون من أجل لقمتهم وحقوقهم بأجور عادلة كما هو حال جميع العمال.
ضعف العمل النقابي ليس بسبب ضعف الانتساب للحركة النقابية فقط، بل هو نتاج موضوعي لمرحلة تاريخية على مستوى العمل النقابي وغياب الأساليب النضالية لدى الكوادر الرئيسة في الحركة النقابية، وعدم وضع الأسئلة الكفاحية في برامجها وتقاريرها السنوية أمام مؤتمراتها، لماذا نمارس العمل النقابي؟ وماذا نريد من العمل النقابي؟ ومن هم أعداؤهم الطبقيون؟ وغياب العمل النقابي تحت العباءات الحزبية الضيقة.
الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي تعيشها الطبقة العاملة وتردي أوضاعها إلى مستويات خطيرة وصلت إلى حد العوز والفقر والجوع نتيجة لعدم كفاية الأجور لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد والسلع الاستهلاكية حيث تحتاج الأسرة لمليوني ليرة سورية لتأمين احتياجاتها الأساسية، وأن أكبر الرواتب التي تعطى للعمال في القطاع الخاص ربما لم تصل إلى 500 ألف ليرة سورية و100 ألف في القطاع العام وفي ظل هذه الهوة الكبيرة بين الأجور والأسعار تعاني عائلات العمال من فقر مدقع وسط استمرار السياسات الحكومية في تحرير الأسعار ورفع الدعم عن المواطن وتخفيض متعمد للأجور.
بصراحة ... الأجور وصراع المنهوبين مع الناهبين
Written by محمد عادل اللحامالأجور أكثر القضايا التي يجري تداولها في مواقع العمل وفي الشارع وفي الجلسات الخاصة والعامة، وبين جميع العاملين بأجر، كون الأجور بالنسبة لهؤلاء قضية حياتية مرتبطة إلى أبعد حد بمعيشة العمّال، وتأمين حاجاتهم الضرورية، التي من الممكن أن يستطيعوا تجديد قوة عملهم المنهكة، والمسبب لها قلة الحيلة بين أيديهم حتى لو عملوا عملاً آخر إن تمكنوا من ذلك.
شهدت الفترة الماضية انعقاد المؤتمرات النقابية على مستوى البلاد من شرقها إلى غربها وبجميع النقابات ومنها نقابات دمشق وريفها التي تعتبر الأكبر والأوسع وتابعنا باهتمام طروحاتها وقضاياها ولسنا في صدد مناقشة هزالة الأداء وغياب الدور، بل نضعه في عهدة مواد أخرى، لكن ما نحاول تناوله هنا مدى وصول صدى هذه المؤتمرات إلى العمال المنغمسين في أعمالهم و نضالهم الطبقي والمعيشي، وحقيقة علاقتهم بنقاباتهم.
More...
«من وين بدنا نجيب عمال؟ بدنا نضل نشتغل لغيرنا؟ ما بكفي الضغط اللي علينا من المالية والضرايب والجمارك ومن هون ومن هون»؟ بهذه الأسئلة المتلاحقة حدثنا أحد أصحاب المعامل الخاصة بصناعة الألبسة والذي أضاف «منجيب هالشباب ما بيعرفوا يشتغلوا شي، منعلمهم ومندربهم وبس يصيروا معلمين بسافروا على تركيا ومصر وبيشتغلوا هنيك، نحنا منعلم ومندرب هن بياخدوهم ع باب المستريح، والأسوأ من هيك أنو بنافسونا بالأسواق اللي كنا نصدرلها، يعني خسرانة معنا كيف ما توجهنا».
عقد اتحاد عمال دمشق مؤتمره السنوي لهذه الدورة النقابية في الثالث عشر من هذا الشهر الجاري، حيث قدم رؤساء المكاتب النقابية مداخلاتهم المتفق عليها حسب العادة وبعض من أعضاء المؤتمر على أعمال المؤتمر، حيث حاولت أن تعكس وبشكل خجول ما طرح خلال تلك المؤتمرات السنوية التي سبقت هذا المؤتمر، والتي تحدثنا عنها خلال الأعداد السابقة، كما كان القاسم المشترك لهذه المداخلات، سواء لممثلي القطاعات الإنتاجية أو الخدمية نقص اليد العاملة في هذه المنشآت وخاصة من الكوادر الفنية واليد العاملة الماهرة وعدم الإقبال على العمل في هذه المنشآت، وتسرّب العديد من الكوادر الهامة فيها، العائد في أغلبه لضعف الرواتب والأجور.
أكثر القضايا عرضة للمخالفات الدستورية، والتي كانت آثارها موجعة هي القضايا المتعلقة بمصالح وحقوق الفقراء، ومنهم العمال الذين كان وقع الأزمة عليهم شديداً، ومع هذا فإن «الناطقين» المفترضين باسمهم تحت قبة البرلمان حيث «يضم بين جنباته حسب قانون الانتخابات 50% عمالاً وفلاحين» ولكن لا أثر لمصالح وحقوق العمال والفلاحين في هذه المواقع أو في غيرها من المواقع الأخرى مع وجود الأغلبية شكلاً والمفترض أنها تمثل العمال والفلاحين حيث يغضون الطرف عنها، وخاصة مستوى معيشتهم الذي وصل إلى مستويات لا يُسَرُّ منها العدو ولا الصديق، وهي استحقاق دستوري بامتياز كما يقال حمّل الدستور الحكومات مهمة تطبيقه وتنفيذه.
يعد الدستور القانون الأسمَى في الدولة، فهو العقد الاجتماعي الذي يحدد الأطر العامة للعلاقة بين المجتمع والدولة، ويرسم الخطوط العامة للسياسات العامة للدولة من كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب ألّا تحيد عنها، خاصة وأن دستور عام 2012 جاء نتيجة لانفجار الأزمة ولمعالجة أخطاء السياسات السابقة والقطع الكامل معها، وهو ما أكد عليه في نصوص الدستور، ولكن على أرض الواقع جرى عكس ذلك.













