«التعافي المبكر»... جزرة العقوبات وأهم من ذلك: أداة من أدوات «خطوة مقابل خطوة»!

«التعافي المبكر»... جزرة العقوبات وأهم من ذلك: أداة من أدوات «خطوة مقابل خطوة»!

تتضح يوماً وراء يوم، العناصر المختلفة للأحجية المسماة «خطوة مقابل خطوة»؛ تتضمن هذه الأحجية عناصر عديدة ومتكاملة، بينها: «تغيير سلوك النظام»، «العقوبات»، «التعافي المبكر»، «اللامركزية والحكم الذاتي»، «الإصلاحات الإدارية»، «البيئة الآمنة والمحايدة»، وغيرها...

في هذه المادة، نتوقف بشكلٍ خاص عند «التعافي المبكر»، والذي بدأ يحتل موقعاً أكثر وضوحاً مؤخراً مع كشف الأمم المتحدة في 10 آذار 2024 عما أسمته «وثيقة استراتيجية لصندوق الثقة للتعافي المبكر 2024 – 2028».
ولكي نتناول المسألة بشكلٍ منهجيٍ قدر الإمكان، سنبدأ بوضع هيكل عامٍ لهذه المادة، كالتالي:

أولاً: «التعافي المبكر» في القرارات الدولية المرتبطة بسورية.

ثانياً: معلومات صحفية حول «الصندوق الائتماني للتعافي المبكر».

ثالثاً: المواقف الغربية المعلنة من المسألة.

رابعاً: التأطير الأممي/الغربي لفكرة «التعافي المبكر».

خامساً: الوظيفة السياسية الفعلية لـ«التعافي المبكر».

أولاً: «التعافي المبكر» في القرارات الدولية المرتبطة بسورية

ظهر تعبير «التعافي المبكر» ارتباطاً بسورية، للمرة الأولى، مع قرار مجلس الأمن رقم 2585 والذي تم اعتماده في 9 تموز 2021. من حيث الأساس، فإنّ هذا القرار كان معنياً بالدرجة الأولى بتمديد عمل المعابر لتمرير المساعدات الإنسانية. وليس خافياً أنّ أمرين أساسيين قد شكلا معاً مقدمةً لطرح موضوع التعافي المبكر؛ الأول هو ضغوط كورونا الصحية والاقتصادية التي كانت معلماً أساسياً لتلك الفترة، والثاني هو عقوبات قيصر التي دخلت حيز التنفيذ في حزيران من العام 2020، وكانت آثارها الكارثية قد بدأت بالتكشّف وقت إصدار القرار آنف الذكر.
يرد في مقدمة القرار المذكور، ما يلي: «يسلّم [مجلس الأمن] بأن الأنشطة الإنسانية أوسع نطاقاً من مجرد تلبية الاحتياجات العاجلة للسكان المتضررين، وأنها ينبغي أن تشمل تقديم الدعم للخدمات الأساسية من خلال مشاريع التعافي المبكر الهادفة إلى توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والمأوى». وفي الفقرة الرابعة منه: «يرحب [مجلس الأمن] بجميع الجهود والمبادرات الرامية إلى توسيع نطاق الأنشطة الإنسانية في سورية، بما في ذلك مشاريع التعافي المبكر الهادفة إلى توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والمأوى، والتي تضطلع بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات أخرى، ويهيب بالوكالات الإنسانية الدولية الأخرى والأطراف المعنية أن تدعم تلك الجهود والمبادرات».
بعد القرار السابق، ورد تعبير «التعافي المبكر» في أكثر من قرار دولي خاص بسورية؛ بموجب الفقرة 6 من آخر قرار مجلس أمن حول المساعدات عبر الحدود، وهو القرار 2672 لعام (2023)، شجع مجلس الأمن على «عقد حوار تفاعلي غير رسمي لمجلس الأمن كل شهرين بمشاركة المانحين والأطراف الإقليمية المهتمة بالأمر وممثلي الوكالات الإنسانية الدولية العاملة في سورية من أجل استعراض ومتابعة تنفيذ هذا القرار بانتظام، بما في ذلك التقدم المحرز في مشاريع التعافي المبكر».

ثانياً: معلومات صحفية حول «الصندوق الائتماني للتعافي المبكر»

بدأ الحديث خلال الأيام الماضية حول مقترح أممي لإنشاء آلية معنية بالتعافي المبكر، تحت مسمى «الصندوق الائتماني للتعافي المبكر»، ومن الجدير بالذكر أن الدعوة لإنشاء هذا الصندوق وردت في وثيقة بعنوان «استراتيجية التعافي المبكر 2024-28»، إلا أن هذه الوثيقة والأخبار حولها وحول إنشاء الصندوق -في حدود البحث الذي أجريناه- لم يتم نشرها بعد في أي موقع رسمي مرتبط بالأمم المتحدة. ووفق المصادر الصحفية التي تطرقت إلى الموضوع، فإن أبرز النقاط حوله يمكن تلخيصها بالتالي:
• سيكون مقر هذا الصندوق الجديد في دمشق وسيعمل تحت القيادة المباشرة للمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية.
• السمات الرئيسية ستكون: قدراً أكبر من المرونة التشغيلية، وأطراً زمنية أطول للمشاريع التي سيتم دعمها من خلال الصندوق.
• يُقال إنّ صاحب الفكرة هو مارتن غريفيث، رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة. ووفق بعض المصادر فإن «غريفيث اقترح أن الصندوق سيجذب الأموال الخليجية لأنه ستكون لديه خطوط حمراء أقل من الخطوط الحمراء للآليات الأممية والدولية الأخرى»، والمقصود هو الخطوط الحمراء للعقوبات الغربية والأمريكية خاصة. ومن الجدير بالذكر أنه في منتصف كانون الأول الماضي، التقى نائب وزير الخارجية والمغتربين بسام صباغ مع غريفيث في مدينة جنيف، وفي خبر حول اللقاء أوردته صحيفة الوطن أن صباغ أشار إلى ضرورة زيادة مشاريع التعافي المبكر كماً ونوعاً.
• في المعلومات الصحفية أيضاً أن عبد الله الدردري، النائب الاقتصادي الأسبق في سورية (الذي كان البطل الإعلامي للخطة الخمسية العاشرة 2005-2009 التي رفعت مستوى الفقر في سورية من 30% إلى 44%)، والذي تم تعيينه (ربما كجائزة على إنجازه في سورية) في آذار 2023 في منصب الأمين العام المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمدير المساعد، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، في المعلومات أنه يخطط لتوسيع ميزانية التعافي المبكر إلى 500 مليون دولار – أي بزيادة قدرها 500 بالمائة عن التمويل المقدم حالياً في ميزانية خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2023.
• بما أننا ما نزال هنا ضمن إطار المعلومات الصحفية، فمن المفيد الإشارة إلى أنّ ورود اسم عبد الله الدردري ضمن تصورات غربية متعلقة بـ«التعافي المبكر» في سورية، ليس الأول من نوعه؛ فقد سبق أن عرض دي مستورا عام 2017 ورقة اقتراح لم تُكشف السرية عنها بعد، ولم تمر في حينه، أسماها «المرحلة ما قبل الانتقالية»، وتضمنت إنشاء حكومة يرأسها عبد الله الدردري أو أيمن الأصفري (الذي يلقى اهتماماً أمريكياً وبريطانياً خاصاً في الفترة الأخيرة)، وإحدى وظائف هذه الحكومة المفترضة، وللمصادفة البحتة، هي البدء بإعادة الإعمار عبر مشاريع التعافي المبكر...
• وفقاً لمصادر مطلعة على الوثائق ذات الصلة والمعنية بالاستراتيجية التي تتضمن إنشاء هذا الصندوق، فإن تلك الاستراتيجية لا تذكر قرار مجلس الأمن 2254.

1168-17

ثالثاً: المواقف الغربية المعلنة من المسألة

نورد فيما يلي بعض المواقف الأساسية التي أعلنتها دول غربية من مسألة التعافي المبكر في سورية:
• رغم أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، هي من دفعت لفتح الباب أمام فكرة التعافي المبكر عند ظهورها الأول عام 2021، إلا أنّها أصرّت في حينه على عدم زيادة مساعدات التعافي المبكر، وفسرت موقفها في حينه بأنه ينبغي أن تبقى أنشطة التعافي المبكر دون مستوى إعادة الإعمار التي تندرج ضمن اللاءات الثلاث الغربية (لا لرفع العقوبات، لا لإعادة الإعمار، لا للتطبيع مع النظام)، ما يعني ضمناً أنّ القبول اللاحق -الذي جرى فعلاً- بزيادة تلك المساعدات، ربما يأتي في إطار شروطٍ سياسية (ما) بدأت بالتحقق.
• لاحقاً، اتفقت الدول المانحة في مؤتمر بروكسل في نسخته السادسة في أيار 2022 على زيادة مساعدات «التعافي المبكر» في سورية، حيث ورد في بيان رئيس المؤتمر في الفقرة 27: «أشار المؤتمر إلى أن الطبيعة التي طال أمدها للأزمة السورية تتطلب تكثيف جهود التعافي المبكر، بما في ذلك ضمن الإطار الإنساني، لدعم القدرة على الصمود وبناء قدرات المجتمع والاعتماد على الذات من خلال توفير الخدمات الأساسية وسبل العيش والتنمية الاقتصادية المحلية بشكل تشاركي، الأمر الذي سيعزز أيضاً استدامة الاستجابة الإنسانية وفعاليتها من حيث التكلفة». كما زاد بشكل واضح تركيز الاتحاد الأوروبي من خلال مشاريعه وخطاباته، وبالأخص من خلال مبعوثه الحالي، على موضوع التعافي المبكر. (على الهامش، فإنّ أهم كلمتي سر هذه الأيام لدى المنظمات غير الحكومية NGOs أو ما يسمى منظمات المجتمع المدني، للحصول على تمويل المانحين الغربيين، هما: «التعافي المبكر»، «البيئة الآمنة والمحايدة»).
• في أيار 2022، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً عاماً يحمل الرقم 22 يشير إلى بعض الأنشطة المسموح بها في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ولاحقاً، بدأت الإدارة الأمريكية بتوسيع أنواع الأنشطة التي يمكن القيام بها في أنحاء سورية كافة، والتي تم توسيعها بشكل أكبر بعد الزلزال في شباط 2023 من خلال الترخيص العام رقم 23، وتطرقت قاسيون إلى هذه الرخصة في مادة بعنوان «واشنطن تعترف ضمنياً بإجرامية عقوباتها»، وفي مادة أخرى بعنوان «من يساعد السوريين إنسانياً متهمٌ عند أمريكا... حتى تثبت براءته!». عند نهاية صلاحية الرخصة التي تم بموجبها «تخفيف» العقوبات عقب الزلزال، وكان ذلك في آب 2023، نشرت وزارة الخزانة نشرة توضيحية ورد فيها شرح حول الاستثناءات للمشاريع المرتبطة بالاستقرار والتعافي المبكر، والتي تنفذها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وبرامجها وصناديقها والمنظمات ذات الصلة، وموظفوها أو المتعاقدون معها أو المستفيدون منها.

رابعاً: التأطير الأممي/الغربي لفكرة «التعافي المبكر»

تميّز الأمم المتحدة اصطلاحياً بين كلّ من الإغاثة الإنسانية، المساعدات الإنسانية، التعافي المبكر، إعادة الإعمار. ويُفهم من التعريفات الرسمية لهذه المصطلحات على الموقع الرسمي الخاص بمصطلحات الأمم المتحدة unterm.un.org، أنّ هذه المصطلحات تعبر عن أربعة مستويات متدرجة، أدناها هو الإغاثة وأعلاها إعادة الإعمار.
مع ذلك، فإنّ مصطلح «التعافي المبكر» هو الأكثر غموضاً بين هذه المصطلحات؛ إذ تتقاطع ضمنه عناصر من المساعدات الإنسانية ومن إعادة الإعمار، وخاصة فيما يتعلق بالبنى التحتية.
إذا استعملنا منطق «من فمك أدينك»، فإنّ تعريف التعافي المبكر ضمن القرار 2585 يتضمن ما يلي نصاً: «مشاريع التعافي المبكر الهادفة إلى توفير المياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية والتعليم والمأوى».
العناصر التي يدرجها القرار تحت مسمى التعافي المبكر، هي في الحقيقة، كلّها، جزء من المستوى الأدنى، أي (المساعدات الإنسانية) التي تشمل المساعدات العاجلة المنقذة للحياة، وكذلك المساعدات غير المباشرة والمتعلقة بأساسيات الحياة وعلى رأسها المياه والرعاية الصحية والتعليم والمأوى.
يمكن للبعض أن يجادل بأنّ الاختلاف يكمن في مستوى تقديم ودعم كل من هذه الخدمات، ولكن استخدام كلمة «مأوى = shelter» وليس «إسكان = housing»، يكفي للإشارة إلى أنّ مستوى تلك الخدمات ما يزال ضمن حدود المساعدات ولم يرق إلى مستوى التعافي المبكر، ناهيك عن مستوى إعادة الإعمار.
ولعل القرين المادي الأكثر دلالة هو حجم التمويل المرصود لـ«التعافي المبكر» والذي ما يزال حتى اللحظة بحدود 100 مليون دولار، مع وعود برفعه إلى 500 مليون دولار، في بلد يتطلب إعادة إعمارها وفق أقل التقديرات 500 مليار دولار؛ أي خمسة آلاف ضعف الميزانية المرصودة فعلياً للتعافي المبكر، وألف ضعف حجم الشائعة حول الميزانية الجديدة المفترضة.
لتتضح الصورة أكثر، ينبغي أن نستحضر النداء الذي أطلقه منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سورية، آدم عبد المولى، يوم 22 آذار 2024، وتضمن المناشدة التالية: «للعام 2024، نطلب حشد 4,07 مليارات دولار لتوفير مساعدات منقذة للحياة لـ 10,8 ملايين سوري من أصل 16,7 مليوناً يحتاجون إلى المساعدة». علماً أنّ الأرقام ارتفعت لاحقاً ضمن النشرة الرسمية لموقع الرسمي humanitarianaction.info لتصبح 4.4 مليار دولار، وعادة لا تتم تلبية أكثر من 35% من حجم المساعدات المطلوبة في أحسن الأحوال.
معنى الكلام هو أنّ الميزانية الفعلية للتعافي المبكر، الذي من المفترض أنه مستوى أعلى من «المساعدات الإنسانية»، تشكل 2.2% فقط من الاحتياجات المندرجة تحت بند المساعدات الإنسانية، وإذا أخذنا الرقم الافتراضي الأعلى (الشائعة القائلة بـ500 مليون دولار)، فإنها ستشكل حوالي 11% من الحد الأدنى المطلوب لتأمين المساعدات الإنسانية، (بشكلها المنقذ للحياة بالمناسبة، أي بمستواها الأدنى)!
هذا كلّه، يسمح، ودون أخطاء اصطلاحية وتوصيفية، بالقول إنّ الموضوع سياسي بالدرجة الأولى والثانية والثالثة، وبعدها ربما يكون تقنياً ثم إنسانياً...

1168-13

خامساً: الوظيفة السياسية الفعلية لـ«التعافي المبكر»

إضافةً للغموض وعدم التحديد النظري الواضح لتعبير «التعافي المبكر»، بما في ذلك في وثائق الأمم المتحدة، فإنّ الجانب العملي التطبيقي له في سورية، يكشف -على الأقل بالأرقام التي أوردناها سابقاً- أنّه لا يرتقي لمستوى التعريف النظري، حتى بشكله الغامض... ما يسبغ مشروعية كاملة على البحث عن غاياته السياسية الفعلية، وليس الإنسانية الافتراضية.
كي لا نطيل في بناء الأساس النظري للاستنتاجات السياسية التي نعتقد بصحتها بما يخص التعافي المبكر، نحيل القارئ إلى مادة سابقة لمركز دراسات قاسيون بعنوان (من تغيير السلوك إلى خطوة مقابل خطوة. أين وصلت اتفاقات تحت الطاولة مع الغرب؟)، ونكتفي هنا باقتباسين يسمحان بالتمهيد المباشر لما سنعرضه من نتائج.
الاقتباس الأول:
«على أساس هذه المقدمات، يمكننا قول التالي بما يخص سورية:
أولاً: تنفيذ 2254 لم يكن، ولا في أي يومٍ من الأيام، هدفاً حقيقياً للأمريكي. الهدف الحقيقي كان وما يزال هو «تحويل سورية إلى مستنقع» وفقاً لكلام المبعوث الأمريكي السابق إلى سورية، جيمس جيفري.
ثانياً: قبول الغرب بـ 2254 نهاية 2015، لا يختلف نهائياً، عن قبوله باتفاقات مينسك بخصوص أوكرانيا، والتي أفصح قادته لاحقاً، (وبينهم ميركل)، عن أنّ القبول به لم يكن لتنفيذه، بل لإعطاء أوكرانيا وقتاً للتجهز للحرب. وكذا الأمر في سورية، فإنّ قبول 2254 لم يكن بهدف تطبيقه، بل بهدف أخذ وقتٍ إضافي (بعد فشل تنفيذ السيناريو العراقي/الليبي)، للوصول إلى النتائج نفسها لهذين السيناريوهين، ولكن بأدوات أخرى اقتصادية/سياسية، مع استمرار استخدام الأدوات العسكرية بشكلٍ جزئي، خاصة داعش». انتهى الاقتباس.

الاقتباس الثاني:
«المشروع [أي خطوة مقابل خطوة] من حيث الجوهر يتضمن ما يلي:
1- منع إعادة توحيد سورية، والأداة الأهم في ذلك، هي إيجاد طريقة لشرعنة كل السلطات المسيطرة حالياً، على كل مناطق النفوذ في سورية (ضمناً «سورنة النصرة»).
2- إغراء القوى المهيمنة ضمن مناطق النفوذ في سورية، برفع اللاءات الثلاث عنها، مقابل «تغيير السلوك»، والذي يتكون من عدة مفردات، اقتصادية، وسياسية، واستراتيجية.
3- بين المفردات الاقتصادية الأساسية، استكمال تنفيذ مشاريع صندوق النقد والبنك الدوليين في سورية التي بدأت منذ 2005؛ أي الوصول بسورية إلى حالة قانونية اقتصادية، تشبه تلك التي يعمل عليها الرئيس الأرجنتيني الحالي: إنهاء أي دور للدولة، وإنهاء أي دعم من أي نوع، والتعويم الكامل، وإنهاء أي حقوق أو مكتسبات تاريخية حصلت عليها الطبقات المنتجة، وإنهاء أي طابعٍ إنتاجي ضمن البلاد، وتعميق النشاط المالي الإجرامي وتكريسه بوصفه النشاط الأساسي السائد (الأمر الذي تم إنجاز قسمٍ مهمٍ منه، وباستخدام العقوبات كإحدى أدوات التحفيز الأساسية بهذا الاتجاه).
4- بين المفردات السياسية، تكريس الضعف العسكري في سورية وقوننته، ليس عبر تعزيز تقسيم سورية فحسب، بل وعبر الانطلاق القانوني المسبق من اشتراطات تتعلق بحجم الجيش العامل، وأصناف الأسلحة، وإلخ (على الطريقة اللبنانية مثلاً).
5- بين المفردات السياسية أيضاً، النقل النهائي والعلني للبارودة من كتفٍ إلى كتف، أو حتى إلقاؤها أرضاً. أي الانخراط في عملية تطبيع مع الكيان برعاية إماراتية أردنية... يتضمن ذلك بطبيعة الحال إخراج القوات الإيرانية من سورية (والقوات الإيرانية فقط، مع بقاء الآخرين، بل ومع احتمال دخول قوات جديدة على الخط «أردنية مثلاً»).
6- تحويل فكرة «اللامركزية»، من شعارٍ وأداة للحكم يمكن للسوريين الاتفاق عليها وعلى حدودها بما يخدم مصالحهم، إلى أداة تنفيذية لعملية «تغيير سلوك النظام»... ولعل نشاط الأمم المتحدة مؤخراً في هذا الصدد، دون غيره، يسمح ببناء هكذا افتراض، خاصة أن علامات التجاوب ضمن السياق نفسه، قد ظهرت من عدة أطراف بالتزامن.
7- مشروع (خ.م.خ)، مشروع طرفاه هم الغرب والنظام، والمعارضة السورية ليست طرفاً فيه، والقرار 2254 ليس أساساً له. ولذا فإنّ على أولئك الذين يطمئنهم كلام الغربيين عن «طي صفحة هذا المشروع»، أن يفكروا بطريقة معاكسة تماماً: فطرح المشروع بوصفه أداة لتنفيذ 2254، كان الخطوة الأولى (في الحقيقة الثانية بعد شعار تغيير سلوك النظام)، في الانسلاخ التدريجي عن 2254. والآن حين يقال للبعض: إنه قد تم طي صفحة المشروع، فالمقصود فعلياً هو أنّ المسرحية التي كانوا جزءاً ضرورياً منها قد انتهت، وبالتالي، سيتم الانتقال للعمل الفعلي الذي لا مكان لهم فيه... (لا لجنة دستورية، ولا تفاوض، ولا انتقال سياسي... هنالك فقط «تغيير سلوك»، وترتيبات ثنائية)». انتهى الاقتباس.

ننتقل هنا إلى وضع بعض الاستنتاجات العامة حول «التعافي المبكر»
أولاً: هو أداة مكملة لأداة العقوبات؛ فإذا كانت العقوبات هي العصا، فالتعافي المبكر هو الجزرة، بالذات لأنّ تعريفه يسمح برفع تدريجي لكم الأموال التي يمكن أن تأتي عبره وفقاً للتقدم في إنجاز اتفاقات تحت الطاولة، وذلك خلافاً للمساعدات الإنسانية التي (عدا عن كونها عملياً أقل من أن تلبي الحاجات الإنسانية الطارئة الفعلية)، فإنها محدودة السقف بطبيعتها.
ثانياً: بما أنّ التعافي المبكر هو مقدمة إعادة الإعمار، فإنّه أيضاً جزءٌ أساسي في تحديد اتجاه إعادة الإعمار وطبيعتها؛ وبكلامٍ أوضح، فإنّ سيطرة الغرب على عملية التعافي المبكر بالقطارة، يمكن أن يسهم في استكمال تنفيذ توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين في سورية، بما يضمن تبعية اقتصادية تامة، وتخلفاً اقتصادياً، وإنتاجياً خاصة، لعقود طويلة، يفرض بدوره تبعية سياسية وحفاظاً على تلك التبعية.
ثالثاً: ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ككل، استراتيجية الفوضى الشاملة الهجينة، وليس في سورية فحسب، فإنّ للأدوات الاقتصادية دوراً محورياً؛ ما يفتح الباب على التفكير بأنّ المطلوب ليس ضمان التحكم المسبق بـ«سورية المستقبل»، بل بـ«سوريات المستقبل»... الأمر الذي يتقاطع مع طريقة التحكم بالعقوبات بين رفع وتشديد وتخفيف على المناطق المختلفة في سورية، ويتقاطع مع الترويج لصنف محدد من «اللامركزية» المتماشية مع تشجيع مطرد لـ«الهويات المحلية».
رابعاً: معلوم أنّ إعادة الإعمار مرتبطة بالحل السياسي الشامل، ليس لأنّ الغرب يقول ذلك نفاقاً، بل لأنّ الواقع يقول ذلك. وعليه فإنّ التصور حول التعافي «المبكّر»، أي التعافي ما قبل إعادة الإعمار، وضمناً ما قبل الحل السياسي، يقدم تصوراً عن ميعاد الحل السياسي المفترض غربياً، والذي يمكن أن نقول إنّه وفقاً لاستراتيجية الصندوق المعنونة 2024-2028، هو عام 2028. وإذا اعتمدنا مؤشر العقوبات الأمريكية، فإنّه قد تم تمديدها مؤخراً إلى عام 2032...
أخيراً: هذا كلّه يسمح بالاستنتاج بأنّ مصطلح «التعافي المبكر»، بات أداة إضافية وعنصراً إضافياً ضمن الخطة الشاملة الغربية إزاء سورية، تتضافر وتتكامل مع أدوات «العقوبات» و«دعم اللامركزية والحكم المحلي»، و«الإصلاح الإداري»، و«البيئة الآمنة والمحايدة» وغيرها، تحت عنوان عريض هو «تغيير سلوك النظام» «خطوة مقابل خطوة»، ووصولاً إلى اقتلاع سورية من تموضعها التاريخي بما في ذلك من القضية الفلسطينية، وإلى اقتلاعها هي نفسها من الوجود إنْ أمكن عبر التقسيم.

(English verssion)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1168
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:32