هل «المجد للعقوبات» الغربية ضد روسيا؟

هل «المجد للعقوبات» الغربية ضد روسيا؟

عندما علم العالم أن روسيا قد تجاوزت ألمانيا من حيث حجم الاقتصاد، لتصبح الأولى في أوروبا والخامسة في العالم من حيث القدرة الشرائية، لم يعجب ذلك الولايات المتحدة وحلفاءها، لكن لم يجرؤ أحد من ممثلي المؤسسات الدولية على التشكيك في ذلك.

في هذا الصدد، كتب الباحث الروسي، إيفان بوليتيف، مقالاً تحت عنوان «المجد للعقوبات؟»، سلّط الضوء فيه على تداعيات العقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا، وكيف استطاعت أن تنقل الاقتصاد الروسي خطوات نوعية إلى الأمام:

 

الغرب يستطيع أن يرى لكنه لا يريد ذلك

اعترفت النائب الأول لرئيس صندوق النقد الدولي (IMF)، جيتا جوبيناث، في مقابلة مع مجلة «السياسة الخارجية» بأن الاقتصاد الروسي يتطور أفضل مما كان متوقعاً. وفي تقرير شهر كانون الثاني عن «آفاق الاقتصاد العالمي»، قام صندوق النقد الدولي بتحسين توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الروسي لهذا العام إلى 2.6%، وهو ما يتجاوز تقديره السابق بمرتين. هذه التقديرات العالية لم تصل إليها لا الولايات المتحدة (التي توقعت نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5% فقط) ولا الاتحاد الأوروبي، الذي من المتوقع أن ينمو اقتصاده بنسبة 0.1% فقط بعد أخذ عوامل التضخم بعين الاعتبار.

النتائج النهائية للتطور الاقتصادي لروسيا لعام 2023، التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع بشأن القضايا الاقتصادية، تجاوزت جميع التوقعات: نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6%، وزاد حجم الإنتاج الصناعي بنسبة 3.5%، ونمت القطاعات التصنيعية بنسبة 7.5%. وفي الوقت نفسه، لم يتجاوز العجز في الميزانية الفيدرالية 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي.

لكن الغرب لا يمكنه أن يتصالح مع حقيقة أن العقوبات ضد روسيا لا تفلح ولا تنجح بغض النظر عن شدتها.

لا يستطيع خصوم روسيا فهم كيف أن بلداً، تم فرض 12 حزمة من القيود العقابية عليه (أي آلاف القيود المتنوعة)، تمكّن من تجاوز أولئك الذين يحاولون خنقه، وحتى التقدم في المنافسة بين الاقتصادات الرائدة في أوروبا.

أعلنت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، التي بدت وكأنها كانت «متعاطفة» مع روسيا، في القمة العالمية للحكومات في دبي أن «الاقتصاد الروسي تنتظره أوقات صعبة بسبب هروب الناس وبسبب القيود المفروضة على الوصول إلى التكنولوجيا، التي فُرضت بسبب العقوبات». ولم يعجبها أن البلاد تستثمر في «الاقتصاد العسكري». ووفقاً لرأيها، هذا يؤدي إلى «مستوى عالٍ من الإنتاج ومستوى منخفض من الاستهلاك»، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي.

اليوم، يربط العديد من الاقتصاديين الغربيين، مثل صندوق النقد الدولي، نجاحات روسيا بالقطاع الصناعي العسكري بشكلٍ أساسي. بالطبع، هنالك بعض الحقيقة في هذه الآراء، ولكن المحللين الأجانب فشلوا في رؤية الجزء الأساسي من المسألة وهو أنه في ظل أزمة العولمة، اتخذت روسيا مساراً واضحاً نحو استعادة السيادة، واستطاعت حل بعض المشكلات الاقتصادية التي كانت سبباً في الإبقاء على رقبة روسيا تحت سيف الغرب، مثل مشكلة الغذاء التي حُلَّت تماماً في روسيا الجديدة. فالآن لا توفر روسيا لنفسها جميع المنتجات الغذائية الضرورية فحسب، بل تصدر أيضاً اللحوم والحبوب والأسماك إلى الخارج. ويمكن شراء التلفزيون والثلاجة والأثاث دون أي قائمة انتظار. والسيارة لم تعد تعتبر ترفاً. بالطبع، نحن لا نتحدث عن استهلاكٍ فاخر، ولكن عن تلبية الاحتياجات والمتطلبات اليومية العادية. العديد من الروس العاديين، بدخل متوسط متواضع مقارنة بمواطني الولايات المتحدة وأوروبا، يمكنهم تحمل تكاليف السلع الأساسية والخدمات لا أقل من مواطني الدول المتقدمة. هذا يشهد على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي لروسيا من حيث القدرة الشرائية. لكن لماذا لا يلاحظون كل هذا في الغرب؟

تستطيع روسيا أن تسبق اليابان أيضاً

لدى روسيا جميع الفرص لتجاوز ليس فقط ألمانيا، ولكن اليابان أيضاً من حيث القدرة الشرائية. هذا ما يعلنه بشكل مباشر محللو البنك الدولي، الذين من الصعب جداً اتهامهم بالتعاطف مع روسيا. يجب الاتفاق مع هذا الرأي، خاصة وأنه على عكس اليابان، تمتلك روسيا مزايا واضحة واحتياطيات.

بالتخلي عن مبادئ الاقتصاد الاشتراكي كان الليبراليون الروس الذين وصلوا إلى السلطة، يسعون لدمج روسيا في التقسيم العالمي للعمل ورأس المال «بشروط مقبولة». تم الترحيب بهذا المنهج في الغرب، ولكن سرعان ما أصبح واضحاً أنه لن يتم التعامل مع روسيا على قدم المساواة مهما فعلت. كان الليبراليون الروس يخدعون أنفسهم بالأمل بأنه مقابل الخامات الروسية الرخيصة والتكنولوجيا الأوروبية، ستخلق روسيا مع أوروبا «فضاءً ثقافياً واقتصادياً موحداً من لشبونة إلى فلاديفوستوك». وعليه كانوا يجادلون: لماذا نحتاج إلى صناعة متطورة تكنولوجياً، إذا كان بإمكاننا شراء كل شيء من الشركاء الغربيين؟ مع مرور الوقت، تبين أنه لم يُقصد إجراء أي تعاون عميق غربي مع روسيا، وأن المطلوب كان تفتيت روسيا نفسها، وجرى إيهام روسيا والنخبة الروسية بقصص زائفة عن عدم فعالية الدولة القوية، وتصوير التخطيط المركزي بوصفه أحد البقايا البالية، وعن القوة السحرية للسوق الحرة، وعن مزايا الاستثمارات الأجنبية، التي كان من المفترض أن تجعل روسيا «مزدهرة وسعيدة». لكن العقوبات وقبلها سياسة الغرب العامة ضد روسيا دفعت الأخيرة لتعيد التفكير في الكثير وتدرك أنها ليست بحاجة إلى القيم النيوليبرالية أو النموذج الاقتصادي الذي فرضه الغرب.

مهما كانت الصعوبات، ومهما كانت الضغوط العقابية شديدة، روسيا مضطرة لبناء اقتصاد وطني سيادي. أساسه ليس الاستثمارات الخاصة ولكن الاستثمارات الحكومية، والمشاريع الوطنية الكبرى، والتمويل الميسر للقطاعات الرئيسية للإنتاج الحقيقي، وبناء البنية التحتية التي توحد كامل فضاء الدولة الروسية.

ولكي لا تجد نفسها على هامش الاقتصاد العالمي، روسيا مضطرة إلى تطوير المدن الكبيرة والمتوسطة، وتطوير «الطريق البحري الشمالي»، وتوسيع «السكك الحديدية العابرة لسيبيريا» وشبكة السكك الحديدية كلها، وبناء الطرق السريعة، والموانئ النهرية والبحرية، والمطارات، والوصول إلى ممرات النقل الدولية الجنوبية. وتطوير البنية التحتية للنقل في الشرق الأقصى يهدف ليس إلى توسيع التجارة مع الصين فقط بل وكذلك الوصول إلى أسواق دول منطقة آسيا والمحيط الهادي من الهند إلى إندونيسيا.

السياسة الصناعية الجديدة كانت قيد التخطيط قبل بدء العملية الخاصة في أوكرانيا. يمكن اعتبار خطاب ميونيخ الذي ألقاه رئيس الاتحاد الروسي في شهر شباط 2007 نقطة البداية. في ذلك الوقت، أصبح من الواضح أن الغرب لن يتعامل مع روسيا كشريك متساو. وبدأت روسيا تدريجياً في تنويع إمدادات الوقود الأحفوري وبناء البنية التحتية للنقل في الشرق، مما يضمن توصيل النفط من حقول سيبيريا الشرقية إلى مصافي التكرير في روسيا وللتصدير إلى جمهورية الصين الشعبية وإلى دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ عبر ميناء كوزمينو.

في عام 2014، قبل ثماني سنوات من فرض «العقوبات الشديدة»، أنشأت روسيا نظاماً خاصاً لنقل الرسائل المالية (SPFS) للمعاملات مع الدول الصديقة، وعندما تم حظر SWIFT عن روسيا، لم يشعر الروس بذلك. اليوم، تم إشراك 159 شريكاً اقتصادياً من 20 دولة بنظام SPFS الخاص بروسيا.

كما بدأ سحب الأصول من البنوك الأمريكية وعملية نزع الدولرة منذ وقت طويل. نسبة الروبل في التصدير زادت إلى 37%، وفي الواردات إلى 31%. والدولار واليورو، اللذان كانا يعتبران العملتين الأقوى حتى وقت قريب، يمثلان الآن أقل من ثلث جميع المعاملات التجارية. ورغم أن الروبل الروسي كان يُعتبر واحداً من أكثر العملات قليلة القيمة في العالم، والقوة الشرائية منخفضة للروس، إلا أن الوضع تغير بشكل كبير بحلول نهاية عام 2022، عندما حققت روسيا إيرادات تصديرية قياسية من النفط وسلع أخرى مثل القمح والأسمدة. في عام 2023، حتى مع ضعف الروبل، حافظت روسيا على المرتبة الخامسة في تصنيف الدول ذات القدرة الشرائية العالية بفضل معدلات النمو الاقتصادي.

استغرقت إعادة هيكلة وتحديث مؤسسات الصناعات الدفاعية والهندسة الثقيلة خمس سنوات. خلال هذا الوقت، تطورت صناعات الصلب والكيماويات، والبناء، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والقطاع الزراعي إلى مستوى تكنولوجي جديد. الآن روسيا لا تنتج فقط المعدات العسكرية والذخيرة أكثر من أوروبا كلها مجتمعة، ولكنها تبني سلعاً نوعية أيضاً، من قبيل ناقلات النفط الضخمة من نوع «أفراماكس».

الآن يجري العمل على المرحلة النهائية من خطة الأعمال الاجتماعية والاقتصادية للسنوات الست المقبلة. ووفقاً لبوتين، تشمل الخطة «توجيهات رئيسية مثل دعم الاستثمارات، وضمان السيادة التكنولوجية، وتجديد وبناء البنية التحتية». حيث تم تحديد الأولوية المطلقة لزيادة رفاهية الأسر الروسية.

في معركة العقوبات، تعلمت روسيا ليس رؤية الهدف الرئيسي فقط، ولكن أيضاً المشاكل في طريق تحقيقه. وبغض النظر عن محاولات الولايات المتحدة وحلفائها عرقلة ذلك، تسير روسيا بشكل منهجي نحو الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية. وإذا كان اتجاه الحركة جذرياً ومختاراً بشكل صحيح، فإن الأهداف المحددة ستتحقق.

آخر تعديل على الأربعاء, 27 آذار/مارس 2024 16:58