فينيان كونينغهام. فينيان كونينغهام.

تركيا: النتائج الاقتصادية التدميرية للأزمة السورية والعقوبات على النظام الإيراني

تظهر البيانات الصادرة حديثا أن نجم تركيا المتصاعد مؤخراً كقوة اقتصادية ناشئة قد بدأ فجأة بالأفول.
أظهرت المؤشرات الاقتصادية في الربع الثاني من العام الحالي أن أيام رخاء هذا البلد المترتب على نمو مطرد يزيد على  8% خلال العامين 2011 و 2012 قد انتهت .

ترجمة : هزار محمود


بينما لاتزال معدلات نمو هذا العام البالغة 2,9%  تبدو متماسكة مقارنة بمثيلاتها الراكدة في كل من أوروبا وشمال أمريكا  وعلى الرغم من ذلك فإن الهبوط الحاد الذي وصل نسبة  50% عن المعدلات المرتفعة السابقة يشكل تهديدا جدياً تواجهه تركيا ينذر بفترات اقتصادية عصيبة.
وبتحليل للأرقام الرئيسية الصادرة  فإن هناك مؤشرات لأزمات أكثر خطورة بما يتعلق بمستقبل الاقتصاد التركي .
تشير الفايننشال تايمز هذا الأسبوع بأن الأنباء الاقتصادية لحكومة رجب طيب أردوغان قد تكون أكثر سوءاً، ففيما عدا مايخص التزايد الحالي في الصادرات إلى إيران  حيث يؤكد تقرير الصحيفة : « إن الزيادة بنسبة 60% في الصادرات التركية خلال السبعة أشهر الأولى من العام كان من جراء ارتفاع مبيعات الذهب لإيران»

إن تزايد الطلب على الذهب من  إيران يعود بشكل كبير إلى العقوبات الاقتصادية الغربية الصارمة المفروضة على الجمهورية الإسلامية هذا العام والتي تدفع بالإيرانيين للحصول على الضمانات المالية من خلال شراء الموجودات العينية من المعدن النفيس .
إن الأنباء المقلقة للحكومة التركية هي أن موجة الصادرات الإيرانية هي على الأرجح دفعة إنقاذ وحيدة . هنالك كميات كبيرة  من الذهب يمكن للعائلات الإيرانية شراؤها لتقدم بذلك  مجالاً حيوياً محدوداً لتركيا لمواجهة الانحدار الأكثر حدة في اقتصادها .
لقد بدت تركيا في السنوات الأخيرة كحالة استعراض عالمية في تطورها الاقتصادي محققة بذلك تقييمات براقة في وسائل الإعلام المختصة بعالم المال والأعمال وذلك لنمو صناعاتها الرئيسية في مجال الزراعة والنسيج وتصنيع السيارات وتأمين متطلبات المستهلك وكذلك في الصناعات  الثقيلة كبناء السفن . تصنف تركيا الآن في الموقع الرابع على مستوى العالم في بناء السفن  بعد الصين وكوريا الجنوبية واليابان . هذا ماوصل إليه النمو المتسارع في البلاد إلى درجة أن بعض المعلقين قد بدؤوا بتصنيف تركيا كاقتصاد متطور بدلاً من كونه اقتصاداً نامياً.
ومع ذلك فإن السمعة الطيبة التي حققتها حكومة أردوغان مؤخراً كإدارة اقتصادية راسخة تلقت ضربة فادحة مع الانكماش الاقتصادي الحالي .
إن أحد العوامل الرئيسية لأزمات تركيا الاقتصادية هو تنامي سياستها الخارجية الرجعية والتدخلية والذي ينعكس بشكل سيئ على اقتصادها. فالتراجع الحاصل في مبيعات المستهلكين يعكس قلة الثقة لدى المواطنين الأتراك وذلك نابع من المخاطرة السياسية التي تقوم بها تركيا في صراعات الجارة سورية  وفقاً للفايننشال تايمز.
إن لهذه المجازفة أثراً تحذيرياً خطيراً على الاستثمارات الأجنبية في البلاد والتي شكلت لغاية الآن محركاً رئيسياً للنجاحات الاقتصادية في الفترة الأخيرة .
كما شكل العنف المتجدد من  الانفصاليين الأكراد في المقاطعات الجنوبية الشرقية  مصدراً آخر لمغامرة تركيا السياسية والتي خفضت من الثقة بالاقتصاد التركي . حيث إن العشرات من القوات النظامية وميليشيات حزب العمال الكردستاني  كانوا قد قتلوا في مناوشات متبادلة في الأسابيع الأخيرة . هذا العنف المتجدد هو نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي تعيشها سورية الجارة الجنوبية لتركيا .
وقد مهد رئيس الوزراء أردوغان الطريق لتدخل حكومته في الشؤون السورية  ليصطف بذلك مع القوى الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومع حلفائهم «الإسرائيليين» وحكومات الخليج العربي في محاولاتهم للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.
ازدادت حدة تدخل أردوغان بسورية بشكل كبير مجدداً شجبه للأسد واصفاً إياه بأنه يدير ( دولة إرهابية) وداعياً إلى فرض منطقة حظر جوي فوق الأراضي السورية.
وتشير الدلائل مع ذلك إلى أن مصدر العنف الأساسي الذي تشهده سورية يعود إلى رعاية القوى العظمى لمجموعات «المرتزقة» المسلحة حيث لعب أردوغان تركيا دوراً هاماً في دعم شبكة المجموعات المتطرفة عبر سورية من خلال تزويدها بالقواعد الأساسية والدعم اللوجستي والسلاح وشخصيات عسكرية تركية وفقاً لأحدث التقارير .

كما أن حالة عدم الاستقرار في سورية قد سببت تدفقاً شديداً للاجئين إلى داخل تركيا حيث شكل ذلك ضغطاً على متانة الاقتصاد التركي مزعزعاً أكثر حالة الثقة في الداخل .
ومما يزيد في تعقيد مشاكل تركيا الاقتصادية هو علاقات أنقرة السابقة مع جارتها العراق والتي تشكل شريكاً تجارياً هاماً لها حيث وصلت إلى المرتبة الخامسة بعد ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا في مبيعات الصادرات.
إن تحالفات أردوغان مع الحكومات  في المملكة العربية السعودية وقطر لتنفيذ الأجندة الجيوسياسية الغربية لتغيير النظام في سورية من شأنه أن يدق إسفينا سياسياً  بين أنقرة وبغداد.
يتمتع العراق بعلاقات طيبة مع سورية وإيران إذ ما من أحد ترضيه هذه الحرب العدوانية  المستورة للغرب على المنطقة  والتي تعمل على إشعال فتيل العنف الطائفي في العراق  حيث قتل الآلاف في تفجيرات إرهابية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
إن الخطوة الأخير ة التي قامت بها تركيا بتقديم لجوء سياسي لرئيس الوزراء السابق طارق الهاشمي الفار والمطلوب من  السلطات العراقية بتهمة تخطيط لأعمال إرهابية ساهمت بتعميق الأزمة بين البلدين ومجدداً فإن  لهذا انعكاسات سلبية على الاقتصاد التركي ستحمله عبئاً كبيراً من خلال تحييد شريك تجاري هام.
كما أن التكلفة التي يتكبدها الاقتصاد التركي جراء  سياسات أنقرة الخارجية المتقلبة ماتزال كبيرة . فبينما تواصل تركيا محاولتها التمسك بعلاقات ودية مع إيران على المستوى الرسمي فإنها بتأييدها للأجندة الجيوسياسية الغربية في المنطقة  تقدم زخماً كبيراً لمعاداة أمريكا وأوروبا تجاه طهران .

إن الدور الإجرامي والتصعيدي الخطير الذي تلعبه تركيا لنشرالفوضى وفقاً للمخططات الغربية يمثل تناقضاً وازدواجية في المعايير بشكل فادح وذلك لعدم إدراكها إلى حد ما أن مثل تلك السياسات التخريبية والمثيرة للاستياء تتعارض مع حليف سورية الرئيسي إيران .
إن هذه الديناميكية السيئة لحكومة أردوغان ضد سورية وإيران تساهم في تشديد العقوبات الغربية وتشكل عبئاً كبيراً على اقتصاد إيران النفطي . بالإضافة إلى أنها تساهم بالمقابل برفع أسعار النفط والتي تشهد انتعاشاً مما يضر بالنمو الاقتصادي الأوروبي .
إن الاتحاد الأوروبي هو المحرك التجاري الرئيسي لاقتصاد الصادرات التركية. ولذلك فإن الركود الاقتصادي الأوروبي اليوم هو بمثابة ركود تركي غداً.
فإلى هنا نصل: إن العنف وعدم الاستقرار التي تشهده المنطقة  ومخاوف المستهلك المحلي والابتعاد عن شركاء تجاريين رئيسيين إقليمياً  مثل العراق وإيران  والضربات التي تلقاها الاقتصاد الأوروبي بعد تعافيه من أزمته من جراء العقوبات على النفط الإيراني : كل هذا ارتد على اقتصاد تركيا بشكل سلبي مما دفع بحكومة أردوغان إلى الإعلان عن سياساتها الخارجية الرعناء. وبذلك فبوسعك القول إن أردوغان تركيا يصوت لميلاد جديد .