Skip to main content

اقتصاد (3525)

في 20 آذار 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 67 القاضي برفع الأجور والرواتب بنسبة 50%، في خطوة جرى ترويجها رسمياً على أنها جزء من مسار إصلاحي يستهدف تحسين القدرة الشرائية للمواطنين السوريين. كما رفع المرسوم الحد الأدنى الرسمي للأجور من 750 ألف ليرة سورية إلى 1,256,000 ليرة (أي ما يعادل نحو 114 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي). ظاهرياً، يبدو القرار استجابة مباشرة للضغوط المعيشية المتزايدة، ومحاولة لإعادة التوازن بين الأجور والأسعار بعد سنوات من التدهور المستمر في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنسبة الزيادة بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة السوريين. حيث إن تجربة السوريين المرة مع السياسات الاقتصادية خلال العقود الماضية تظهر أن زيادات الأجور غالباً ما كانت شكلية، سرعان ما تلتهمها موجات التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي، فإن تقييم هذه الزيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، ولا عن المؤشرات الواقعية لتكاليف المعيشة. حيث إن الأجر في الجوهر هو ضمانة العيش الكريم، وإذا فقد هذه الوظيفة، يصبح مجرد قيمة اسمية لا تعكس أي تحسن حقيقي في مستوى المعيشة.

حتى قبل بداية الحرب الحالية في الشرق الأوسط، كان الخبراء يقولون: إن الغيوم تتجمع في الأفق، منذرةً بعاصفة أزمة اقتصادية عالمية. وكان الجدل يدور فقط حول الدولة التي قد تبدأ منها، وكذلك حول توقيت بدء الأزمة. كان معظم الخبراء يحدّدون التاريخ عند عام 2027. أما إذا أخذنا بتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن هذا العام كان ينبغي أن يكون أكثر أو أقل استقراراً. فقد قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي «بالقيمة الحقيقية، أي مع أخذ التضخم في الحسبان» في عام 2026 بنسبة 3.8%، بينما قدّره البنك الدولي بنسبة 2.6%. وقد تم الإعلان عن هذه التقديرات في بداية هذا العام. أما الآن، فمن الواضح أنه يجب إعادة كتابتها، مع الأخذ في الاعتبار الحرب التي بدأت. لكن حتى الآن لا تزال الأرقام القديمة موجودة على مواقع تلك المؤسسات، وذلك لأن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لا يملكان منجّمين يعرفون متى وكيف ستنتهي الحرب، أو حتى ما إذا كانت ستنتهي هذا العام أصلاً.

منذ صدور المرسوم رقم 113 لعام 2025 القاضي بتأسيس الصندوق السيادي السوري، يقف السوريون بحالة من الترقب أمام واحد من أكثر المشاريع الاقتصادية حساسية وخطورة في تاريخ البلاد. فبينما تم الترويج للفكرة رسمياً بوصفها رؤية تنموية تسعى إلى تنشيط الاقتصاد الوطني واستثمار الأصول الحكومية وتحويلها إلى أدوات إنتاج، فإن ما يطفو على السطح بعد مرور نحو ثمانية أشهر على تأسيس الصندوق لا يوحي بوجود خطط واضحة أو شفافة تضع مصلحة السوريين في المقام الأول. بل يبدو المشهد محاطاً بسياج من الغموض المتعمد، وكأنه جدار عازل بين السلطة والمجتمع، يمنع أي فهم حقيقي لما يجري خلف الأبواب المغلقة. ويثير هذا الغياب شبه الكامل للمعلومات حول إدارة الصندوق وأصوله وطبيعة استثماراته جملة من التساؤلات الجوهرية: من يملك القرار داخل الصندوق؟ ومن يراقب عمله؟ ولمصلحة من تدار هذه الأصول؟ ففي ظل غياب البرلمان أو أية هيئات رقابة مستقلة، يصبح الخطر مضاعفاً، خطر ضياع الأصول العامة باسم ما يزعم أنه إصلاح اقتصادي، وتحويل ما تبقى من ممتلكات الدولة إلى ملعب مغلق للنخب الاقتصادية صاحبة النفوذ.

ردّت الأسواق العالمية بصدمة على الأحداث الدراماتيكية التي شهدها الشرق الأوسط: بعد القصف على إيران، ارتفعت أسعار النفط فوراً إلى 81.5 دولاراً للبرميل، وما زالت تواصل الارتفاع، كما تجاوزت أسعار الذهب بالفعل 5400 دولار للأونصة. وفي ضوء الوضع المحيط بإيران، بدأ الخبراء في أنحاء العالم يتساءلون عمّا ينتظر سوق الطاقة.

منذ أن اندلعت شرارة الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» ضد إيران بداية الشهر الحالي، ظهرت لدى بعض الأوساط السورية حالة من التشفي والشماتة السياسية. من الناحية الإنسانية والنفسية، يمكن فهم أسباب هذه المشاعر وتفهم جذورها العميقة، لكن يجب علينا أن نفصل تماماً بين العاطفة المفهومة وبين المصلحة الوطنية العليا والواقع الجيوسياسي والاقتصادي المعقد. حيث أن الدول لا تبنى ولا تتعافى بالركون إلى الانفعالات اللحظية أو التشفي بانهيار الآخرين، خاصة عندما تكون الجغرافيا السياسية والاقتصادية متشابكة إلى حد لا يمكن فكه إطلاقاً. لهذا، فإن الواجب الوطني اليوم يحتم علينا وضع مصلحة الشعب السوري أولاً، بعيداً عن أي حسابات ضيقة. وهذا بدوره يتطلب قراءة المشهد بعقل بارد، وإدراك أن النيران التي تشتعل في الإقليم لن تتوقف تأثيراتها عند حدود الجوار، بل إن ألسنة لهبها الاقتصادية تهدد جدياً بحرق أي أمل في التعافي السوري، وهو ما يضعنا أمام تحديات وجودية لا تحتمل ترف المراهقات السياسية.

في سوقٍ تُهيمن عليه أسهم التكنولوجيا، كان الناس في الأصل يشعرون بالقلق وعدم الاطمئنان تجاه آفاق الذكاء الاصطناعي. وأي حركة بسيطة في الرياح يمكن أن تثير تقلبات عنيفة. لكن ربما لا يوجد ما يوضح حساسية السوق أكثر من هذه الحادثة: بحسب ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 23 شباط، شهد مؤشر داو جونز هذا الأسبوع هبوطاً حاداً بلغ 800 نقطة. وكان أحد الأسباب لذلك في الواقع «فرضية تخيّلية» مكوّنة من 7000 كلمة.

بعد عقود من التغول الأمني والنهب الممنهج الذي مارسته السلطة السابقة، يجد السوريون أنفسهم اليوم أمام فصل جديد من فصول الالتفاف على تطلعاتهم في التحرر والعدالة. حيث أن التصريحات الأخيرة لرئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، باسل سويدان، حول التسويات المالية مع رجال الأعمال الذين تضخمت ثرواتهم في ظل نظام بشار الأسد، توحي بأن عمل اللجنة صار يتركز بشكلٍ أساسي على عزل الجانب الاقتصادي كمسار منفصل ومنعزل عن السياق الجنائي والحقوقي مما يوحي بمحاولة إعادة تدوير النخب الفاسدة ومنحها صكوك غفران اقتصادية تتيح لها العبور الآمن نحو سورية المستقبل. 

مضت أربعة أعوام على بداية الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا. رغم الحرب، شهد الاقتصاد الأوكراني بعض التعافي في العامين الأخيرين، على الأقل من حيث الناتج المحلي الإجمالي. لا تزال موانئ أوكرانيا على البحر الأسود تعمل، ويتدفق جزء من التجارة غرباً عبر نهر الدانوب، وإن بدرجة أقل عبر السكك الحديدية. كما حقق القطاع الزراعي تعافياً متواضعاً. ومع ذلك، لا يزال إنتاج الحديد والصلب عند جزء بسيط من مستواه قبل الحرب، إذ تراجع من 1.5 مليون طن شهرياً قبل الحرب إلى 0.6 مليون طن فقط. وانخفض الإنتاج الصناعي في أوكرانيا بنسبة 3.5% على أساس سنوي في نهاية 2025.

يقف السوريون اليوم أمام مشهد اقتصادي سريالي، حيث يجري قلب الحقائق وتزييف أبسط المبادئ العلمية لخدمة أجندات ضيقة. ففي الوقت الذي تئن فيه البيوت السورية من وطأة الفقر وتآكل المداخيل، تطل علينا نخبة من المسؤولين الحكوميين بفكرة مضللة وكاذبة مفادها أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه هو فعل يستهدف رفع القدرة الشرائية للمواطن! ويدعي هؤلاء أن البضاعة الوطنية باتت عبئاً لارتفاع ثمنها، وأن الحل يكمن في إغراق الأسواق بمنتجات أجنبية رخيصة. بطبيعة الحال، فإنه لا يجب النظر إلى هذا الخطاب بوصفه سوء تقدير اقتصادي فحسب، بل الأهم من ذلك أنه يمثل طعنة في خاصرة ما تبقى من سيادة إنتاجية سورية، ومحاولة لشرعنة الجشع الذي يمارسه كبار المستوردين السابقين والحاليين، الذين يجدون في الاستيراد وسيلة للربح السريع على أنقاض الورش والمصانع السورية. وفي الواقع، ليس من الصعب كشف هذا الزيف، فالمستهلك الذي يشتري اليوم سلعة مستوردة رخيصة الثمن، سيدفع ثمنها غداً من أمنه الغذائي، واستقرار عملته، وفرص عمل أبنائه التي تتبخر مع كل حاوية تدخل الحدود والموانئ لتقتل معملاً وطنياً.

لا يمكنك التفكير في السياسة والسياسات العامة من دون كلمات، لأنه لا توجد مطلقات، بل توجد اختيارات. الكلمات التي تستخدمها في التفكير في السياسة ستشكّل مسار هذا التفكير. من يرى أن حرائق الغابات مسألة «إدارة غابات» سيتصرف بطريقة مختلفة عمّن يراها نتيجة «مخيّمين طائشين». الكلمات تشكّل فهمنا لكل شيء.

الصفحة 4 من 252