Skip to main content

اقتصاد (3531)

الأحد, 12 نيسان/أبريل 2026 20:29

العالم يتجه نحو «القرن الأفريقي الآسيوي»

Written by

في الآونة الأخيرة، واصل رئيس أمريكا «إشعال الألعاب النارية» وإثارة المتاعب في أماكن مختلفة من العالم. لكن ما نحتاج إليه هو أن نتعمق في فهم ما التغيّر البنيوي الذي يجري في الخلفية فعلاً. وفي رأيي، فإن مختلف التحولات التي ظهرت خلال هذه الأسابيع تعكس في حقيقتها انعطافاً أطول مدى وأعمق أثراً في اتجاهات العصر. والغاية من فهم هذه الاتجاهات ليست الحكم على المسارات الإخبارية قصيرة الأجل، بل استيعاب الاتجاه العام الذي سيسلكه تطور العالم خلال العقود المقبلة.

مرّ نحو عام وأربعة أشهر على سقوط سلطة الأسد ونحو عام على تشكيل الحكومة الحالية، وحتى الآن لا يزال يجد السوريون أنفسهم أمام سؤال اقتصادي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل خرجت البلاد حقاً من المنظومة الاقتصادية التي حكمتها لعقود، أم أننا أمام إعادة تدوير للنهج نفسه بأدوات ووجوه جديدة؟ فالرحيل السياسي للسلطة السابقة، مهما كان مدوياً ومرغوباً من جانب الناس، لا يكفي وحده إذا بقيت البنية الاقتصادية ذاتها قائمة، بما تحمله من سياسات الإفقار والخصخصة ورفع الدعم وإضعاف دور الدولة الاجتماعي.

في آذار 2026، أصدرت الإدارة العامة للجمارك في الصين مجموعة من البيانات. في الظروف العادية، يُعد هذا إجراءً روتينياً، لكنه في أوساط صناعة أشباه الموصلات العالمية أثار ضجة كبيرة. خلال الشهرين الأولين، قفزت صادرات الصين من الدوائر المتكاملة إلى 43.3 مليار دولار، بزيادة سنوية بلغت 72.6%. وفي الفترة نفسها، بلغ معدل نمو الصادرات الصينية الإجمالي 21.8% فقط، أي أنه تخلّف بفارق كبير. وعلى إثر ذلك، رفعت مؤسسة الأبحاث Omdia توقعاتها: إذ يُتوقع أن ينمو سوق أشباه الموصلات في الصين بنسبة 31.3 % في عام 2026 ليصل إلى 546.5 مليار دولار. وإذا تحقق هذا الرقم فعلاً، فسيكون على الصناعة العالمية إعادة رسم خريطتها بالكامل.

مع انتهاء الشهور الثلاث الأولى من عام 2026، سجّل «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، حيث بلغ وسطي التكاليف نحو 12.5 مليون ليرة سورية، فيما قُدّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بـ7,816,764 ليرة. يتوازى هذا الارتفاع مع تدهور متواصل في المستوى المعيشي، ورغم قرار رفع أجور العاملين في القطاع العام بنسبة 50% (لا تشمل المتقاعدين ولن تقبض قبل شهر أيار)، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور يظل غير قادر على تلبية سوى ثلاثة أيام تقريباً من حاجة الأسرة للاستهلاك بحدها المتوسط وأقل من خمسة أيام بحدها الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري.

ليست الهند طرفاً محارباً في النزاع المتوسع بين إيران وأمريكا و«إسرائيل». طائراتها المقاتلة لا تضرب طهران، وسفنها الحربية ليست في مرمى النيران. ومع ذلك، من بين جميع الاقتصادات الكبرى، لا يوجد بلد لديه ما يخسره من إغلاق مطوّل لمضيق هرمز أكثر من الدولة الأكثر سكاناً في العالم.

منذ بداية العام 2026، لم تعد أسواق المال العالمية مجرد ساحات للتداول، بل تحولت إلى جبهة خلفية حاسمة في الصراع العسكري الذي اندلع في 28 شباط 2026. مع انطلاق شرارة الحرب على إيران، واجهت وزارة الخزانة الأمريكية تحدياً وجودياً حول كيف يمكن تمويل آلة حرب تستهلك نحو 1.1 مليار دولار يومياً، أي ما يعادل 12 مليار دولار كل أسبوعين، في ظل دين وطني تجاوز حاجز 39 تريليون دولار؟

في 20 آذار 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 67 القاضي برفع الأجور والرواتب بنسبة 50%، في خطوة جرى ترويجها رسمياً على أنها جزء من مسار إصلاحي يستهدف تحسين القدرة الشرائية للمواطنين السوريين. كما رفع المرسوم الحد الأدنى الرسمي للأجور من 750 ألف ليرة سورية إلى 1,256,000 ليرة (أي ما يعادل نحو 114 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي). ظاهرياً، يبدو القرار استجابة مباشرة للضغوط المعيشية المتزايدة، ومحاولة لإعادة التوازن بين الأجور والأسعار بعد سنوات من التدهور المستمر في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنسبة الزيادة بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة السوريين. حيث إن تجربة السوريين المرة مع السياسات الاقتصادية خلال العقود الماضية تظهر أن زيادات الأجور غالباً ما كانت شكلية، سرعان ما تلتهمها موجات التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي، فإن تقييم هذه الزيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، ولا عن المؤشرات الواقعية لتكاليف المعيشة. حيث إن الأجر في الجوهر هو ضمانة العيش الكريم، وإذا فقد هذه الوظيفة، يصبح مجرد قيمة اسمية لا تعكس أي تحسن حقيقي في مستوى المعيشة.

حتى قبل بداية الحرب الحالية في الشرق الأوسط، كان الخبراء يقولون: إن الغيوم تتجمع في الأفق، منذرةً بعاصفة أزمة اقتصادية عالمية. وكان الجدل يدور فقط حول الدولة التي قد تبدأ منها، وكذلك حول توقيت بدء الأزمة. كان معظم الخبراء يحدّدون التاريخ عند عام 2027. أما إذا أخذنا بتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن هذا العام كان ينبغي أن يكون أكثر أو أقل استقراراً. فقد قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي «بالقيمة الحقيقية، أي مع أخذ التضخم في الحسبان» في عام 2026 بنسبة 3.8%، بينما قدّره البنك الدولي بنسبة 2.6%. وقد تم الإعلان عن هذه التقديرات في بداية هذا العام. أما الآن، فمن الواضح أنه يجب إعادة كتابتها، مع الأخذ في الاعتبار الحرب التي بدأت. لكن حتى الآن لا تزال الأرقام القديمة موجودة على مواقع تلك المؤسسات، وذلك لأن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لا يملكان منجّمين يعرفون متى وكيف ستنتهي الحرب، أو حتى ما إذا كانت ستنتهي هذا العام أصلاً.

منذ صدور المرسوم رقم 113 لعام 2025 القاضي بتأسيس الصندوق السيادي السوري، يقف السوريون بحالة من الترقب أمام واحد من أكثر المشاريع الاقتصادية حساسية وخطورة في تاريخ البلاد. فبينما تم الترويج للفكرة رسمياً بوصفها رؤية تنموية تسعى إلى تنشيط الاقتصاد الوطني واستثمار الأصول الحكومية وتحويلها إلى أدوات إنتاج، فإن ما يطفو على السطح بعد مرور نحو ثمانية أشهر على تأسيس الصندوق لا يوحي بوجود خطط واضحة أو شفافة تضع مصلحة السوريين في المقام الأول. بل يبدو المشهد محاطاً بسياج من الغموض المتعمد، وكأنه جدار عازل بين السلطة والمجتمع، يمنع أي فهم حقيقي لما يجري خلف الأبواب المغلقة. ويثير هذا الغياب شبه الكامل للمعلومات حول إدارة الصندوق وأصوله وطبيعة استثماراته جملة من التساؤلات الجوهرية: من يملك القرار داخل الصندوق؟ ومن يراقب عمله؟ ولمصلحة من تدار هذه الأصول؟ ففي ظل غياب البرلمان أو أية هيئات رقابة مستقلة، يصبح الخطر مضاعفاً، خطر ضياع الأصول العامة باسم ما يزعم أنه إصلاح اقتصادي، وتحويل ما تبقى من ممتلكات الدولة إلى ملعب مغلق للنخب الاقتصادية صاحبة النفوذ.

ردّت الأسواق العالمية بصدمة على الأحداث الدراماتيكية التي شهدها الشرق الأوسط: بعد القصف على إيران، ارتفعت أسعار النفط فوراً إلى 81.5 دولاراً للبرميل، وما زالت تواصل الارتفاع، كما تجاوزت أسعار الذهب بالفعل 5400 دولار للأونصة. وفي ضوء الوضع المحيط بإيران، بدأ الخبراء في أنحاء العالم يتساءلون عمّا ينتظر سوق الطاقة.

الصفحة 4 من 253