Skip to main content

اقتصاد (3543)

الأحد, 15 شباط/فبراير 2026 20:34

هل حقاً روسيا «محطة وقود تحمل قنبلة ذرية»

Written by

أُجرى نائب رئيس مجلس الدوما الروسي- ألكسندر باباكوف- لقاءً مع المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لاري جونسون. ويبدو أن النائب الروسي اضطر إلى أن يشرح لذلك الضابط الاستخباراتي الأمريكي السابق، الذي أصبح محللاً عسكرياً–سياسياً، أن روسيا لم تعد منذ زمن «بلد محطة وقود»، كما كان يُطلق عليها في عهد الرئيس أوباما.

مر أكثر من عام على اللحظة التاريخية التي اعتقد فيها السوريون أن كابوس الاستبداد والإفقار الذي جثم على صدورهم قد انزاح إلى غير رجعة، تلك السلطة التي أفقرت السوريين وكانت السبب الأساسي في التدمير الذي تعرضت له البلاد. وفي الأيام الأولى لرحيل سلطة الأسد، ضجت المنابر والشاشات بشعار «إعادة الإعمار»، الذي قدم للسوريين كجرعة أمل وترياق لآلام النزوح والتهجير والفقر المدقع. وكان الحديث عن بناء سورية الجديدة يتصدر الخطابات الرسمية للسلطة الجديدة، حيث داعبت أحلام السوريين صور المدن والمرافق والجسور وهي تنهض من تحت الأنقاض. لكن، وبعد مرور أكثر من عام، نجد أنفسنا أمام صمت مريب يلف هذا الملف الحيوي، فقد اختفى المصطلح من القاموس الحكومي، وتلاشت الخطط قبل أن تولد، وتحول الإعمار إلى شعار منسي. وعدا عن كونه مؤشراً خطيراً على انحراف البوصلة، يمثل هذا الغياب إهمالاً لاستحقاقات الشعب السوري الذي دفع أغلى الأثمان للوصول إلى هذه اللحظة.

مع ازدياد طوابير الشباب السوري الذي بات يحلم بفرصة تخرجه من ضيق الحال إلى بلاد الاغتراب، يبرز سؤال ملح لا يقبل التأجيل أو المواربة: هل نحن أمام دولة إنتاج تسعى بجدية لترميم ما خربته سنوات الحرب والسياسات الاقتصادية المعادية للإنتاج، أم أننا نكرس نموذج دولة الاستيراد التي ترهن سيادتها وقرارها لإرادة الخارج وسماسرة الاستيراد؟ في هذا الصدد، فإن حزمة التوصيات الـ13 التي أطلقتها غرفة صناعة دمشق وريفها يوم الخميس 5 شباط، بناءً على مخرجات «مختبر حلول الصناعة الوطنية» المنعقد في بدايات شهر كانون الثاني الفائت، تمثل في جوهرها وثيقة دفاع عن الإنتاج الوطني ضد التراجع الممنهج الذي يتعرض له.

يَرِدُ الاختصار «ВВП - GDP» اليوم في وسائل الإعلام في كل منشورٍ اقتصادي تقريباً. وهو اختصار لعبارة «الناتج المحلي الإجمالي». ويُعدّ الناتج المحلي الإجمالي المؤشرَ الماكرو-اقتصادي الأهم في معظم دول العالم. فمن خلاله تُقاس أحجام الاقتصادات الوطنية والعالمية، وديناميات التطور الاقتصادي للدول والمناطق والعالم ككل، كما تُقارن اقتصادات الدول ببعضها البعض. وللأكثر فضولاً، تُقدَّم أيضاً إحصاءات عن بنية الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الإنتاج والاستهلاك والدخل.

مع اشتداد الأزمة المعيشية في سورية، وفي ذروة شتاء تعيش فيه العديد من العائلات تحت حد الكفاف، وجدت السلطات نفسها مضطرة لمواجهة موجة سخط شعبي كبيرة وصلت إلى حد الرفض العلني لدفع فواتير الكهرباء الجديدة التي ارتفعت بنسبٍ هائلة، فالأرقام الصادمة التي حملتها الفواتير في مطلع عام 2026، والمبنية على الهيكلية الجائرة التي أقرتها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025، كشفت عن وجه مخيف لسياسات إلغاء الدعم، تحولت معه الكهرباء من حق للسوريين إلى أداة إقصاء اجتماعي تضع المواطن أمام خيارات شديدة الصعوبة ليستطيع تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار. وفي محاولة لامتصاص هذا الاحتقان، بدأت تخرج «تسريبات» عن اجتماعات بين وزير الطاقة ومسؤولين آخرين لمناقشة تراجعات جزئية وتعديلات في شرائح الاستهلاك. وإن بدت هذه التحركات في ظاهرها استجابة للضغط، إلا أنها في العمق لا تزال تراوغ المطلب الأساسي، وهو التراجع الكامل عن نهج الجباية الذي يخدم نخباً ضيقة على حساب شعب منهك.

مع انتصاف شهر كانون الثاني الجاري، لم تكن برودة الشتاء القارس هي القسوة الوحيدة التي واجهت السوريين في منازلهم المفتقرة إلى العديد من أساسيات الحياة، بل كانت لسعة فواتير الكهرباء الصادرة عن شهري تشرين الثاني وكانون الأول هي الأشد إيلاماً. حيث كشفت هذه الفواتير (التي ترجمت فعلياً وفق هيكلية الأسعار الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025) عن وجه مخيف لسياسة إلغاء الدعم تمثّل في استيقاظ السوريين على واقع يفرض عليهم دفع مبالغ خيالية مقابل خدمة لا تكاد تضيء منازلهم إلا لساعات قليلة ومتقطعة، وذلك بعد أن اكتشفوا أن الادعاء الحكومي بالحفاظ على الدعم عبر وجود شريحة مدعومة لا تتجاوز 150 كيلو واط شهرياً ليس في جوهره سوى خدعة دعائية لذر الرماد في العيون، فالتجربة المباشرة أثبتت أن أدنى متطلبات تشغيل الكهرباء المنزلي في سورية تتجاوز هذا السقف الزهيد بكثير. ما يجعلنا أمام واقع معيشي جديد، تحولت فيه السياسات الاقتصادية الحالية - والتي تشكل امتداداً مباشراً للسياسات الاقتصادية للسلطة السابقة - إلى أداة إقصاء اجتماعي مباشر، تضع أولوية الجباية الحكومية فوق مصلحة المواطنين السوريين، وتقامر بالاستقرار الهش في سبيل تحقيق المزيد من الإيرادات التي نرى كيف يجري تبديد مصادرها الأخرى التي لا تشكل عبئاً على المواطنين بأشكالٍ شتى.

لا يبدو أن دونالد ترامب مستعد للتراجع عن هوسه بالاستيلاء على قطعة كبيرة من العقارات، متمثلة في غرينلاند. وهو الآن مصمم على ضرب المستهلكين الأمريكيين بضريبة كبيرة أخرى، عبر فرض رسوم جمركية بقيمة 75 مليار دولار على الواردات القادمة من الدول الأوروبية الأكثر دفاعاً عن الوضع القائم فيما يتعلق بغرينلاند والدنمارك.

يستفيق السوريون اليوم على مشهد اقتصادي لا يقل قسوة عن سنوات الحرب العسكرية، مشهدٌ تُرفع فيه شعارات «السوق التنافسية» فوق ركام المصانع المدمرة والورش المعطلة. وفي لحظة التحول هذه، وبينما ينتظر المواطن الذي عانى الأمرين بصيص أمل في إعادة بناء دورة إنتاج وطنية تؤمن له كرامة العيش وفرص العمل، تطل علينا «نخبة» اقتصادية جديدة، نمت في ظلال الفوضى، لتروج لنموذج الاستيراد المنفلت بوصفه حلاً سحرياً. تحاول هذه النخب، التي تخلت عن دورها المفترض في حماية الاقتصاد الوطني، اليوم شرعنة الجشع تحت مسميات الانفتاح والعصرنة، متناسية أن أي اقتصاد في العالم لا يملك قاعدة إنتاجية صلبة هو اقتصاد محكوم عليه بالتبعية والانهيار الدائم. ومصلحة الشعب السوري تقتضي اليوم وقفة حازمة أمام هذا التغول، وكشف الأقنعة عن «وعاظ السوق» الذين يبررون قتل الصناعة الوطنية بدم بارد، مدعين أن في موتها حياة للمستهلك، وهي أكذوبة يفضحها الواقع الاقتصادي الحالي بعد عام كامل من تبني ما يسمى بـ«اقتصاد السوق الحر التنافسي» رسمياً.

نشر موقع «تريكونتنتال» مقالاً بحثياً مطولاً بعنوان: «الإشكالية في الاقتصاد الهندي». يتحدث النص عن لحظة انتقال مضطربة في النظام الاقتصادي العالمي، لكنه يصرّ على أن الهند تدخل هذه اللحظة، وهي مُثقلة بإرث طويل من «التحرير الاقتصادي» بدأ عام 1991 ولم ينجح في بناء قاعدة صناعية وطنية متقدمة، بل قاد– وفق منطق الكاتب– إلى مسار «نزع تصنيع» تدريجي، جعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الخدمات والائتمان وتدفقات رأس المال الخارجي، وأقل قدرة على توليد وظائف مستقرة أو تطوير قدرات تكنولوجية محلية. وفي الخلفية الأوسع، يضع النص تحوّل أمريكا نفسها– في عهد دونالد ترامب– من راعٍ لـ«العولمة الليبرالية» إلى قوة تعمل على تقويض بعض آلياتها، لا حباً بالحمائية لذاتها، بل سعياً إلى عكس نتيجة «غير مقصودة» للعولمة: تآكل الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية أمام صعود قوة من الجنوب العالمي. ضمن هذا الإطار، تصبح الهند ساحة اختبار: هل تستطيع الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين، أم أن بنيتها الداخلية ستعيد إنتاج الأزمة؟

بعد مرور عام كامل على سقوط سلطة الأسد التي جثمت على صدور السوريين لعقود، لا تزال البلاد تعيش في مخاض عسير تتنازعه آمال التحرر ومخاوف الارتداد إلى أنماط قديمة من الظلم والنهب بأسماء جديدة. وبينما ينشغل السوريون بلملمة جراحهم والبحث عن مفقوديهم ومحاولة إعادة بناء ما دمرته الحرب، تبرز إلى السطح قضية أمراء الحرب ورجال الأعمال الذين تحولوا إلى حيتان مالية على أنقاض المدن السورية المدمرة. حيث يستعد هؤلاء اليوم - الذين لم يكتفوا بالوقوف مع سلطة الأسد، بل كانوا محركاً اقتصادياً للحرب السورية - للقفز من مركب الماضي عبر بوابات خلفية تفتحها اللجان والمراسيم الرئاسية التي تثير الكثير من الريبة. إذ يجد السوريون الذين واجهوا الرصاص والبراميل المتفجرة أنفسهم اليوم في مواجهة عدو لا يقل خطورة، وهو الفساد المؤسساتي الذي يحاول شرعنة أموال الدم تحت مسميات براقة مثل «العدالة الاقتصادية والشفافية»، في محاولة واضحة لطي صفحة الجرائم الاقتصادية دون محاسبة حقيقية تليق بحجم الكارثة السورية.

الصفحة 6 من 254