إلى ميلاد... «ضلال! أنا لا يموت أبي»

إلى ميلاد... «ضلال! أنا لا يموت أبي»

في كتاب أنطونيو غرامشي «شجرة القنفذ والرسائل الجديدة»، مجموعة من رسائل قصيرة مرسلة إلى زوجته وطفليه الصغيرين دليو وجوليانو الأثيرين إلى قلبه كما كان يحب أن يخاطبهما. لم يكن في هذه الرسائل أسرار فكرية وفلسفية كبرى بل مجرد كلمات بسيطة وعميقة مغموسة بحنان أبوي فائض، لرجل يقضي أيامه في سجن الفاشيين حينها بينما أطفاله يكبرون في الخارج.

يتحدث غرامشي الأب هنا إلى طفليه كأي أب آخر في العالم الإنساني، يسأل عن حالهما بدقة ويحكي لهما حكايا من طفولته وحكايا عن بلدته وبيته الذي عاش فيه صغيراً، ناقلاً إليهما تجاربه كطفل وشاب عاش حياة طبيعية وبسيطة في الريف، ويقدم لهما أحياناً بعض النصائح الأبوية: «ارسم كما تشاء أنت، لأجل الضحك والتسلية... ماذا عن صحتك؟ أتركض؟ وتلعب؟ وتلهو؟»
في سجن آخر وبعد عشرات السنين، توفي أب آخر، أو بالأحرى استشهد الأسير الفلسطيني وليد دقة بعد تسعة وثلاثين عاماً قضاها في سجون الاحتلال الصهيوني. وقد أتمت ابنته ميلاد الرابعة قبل شهرين، زيّنت أمها البيت في عيدها، وإلى اليوم ترفض الطفلة إزالة الزينة، لأنها لا تزال تنتظر والدها ليأتي ويحتفل معها. الطفلة الفلسطينية ميلاد القادمة إلى الحياة بأعجوبة، الهاربة من السجن كنطفة محررة، والتي لم يقبل الاحتلال زيارتها لأبيها إلا بعد إجراء الفحوصات للتأكد من نسبها إليه، في مفارقة مدهشة لا تحدث في أشد القصص دهشة وإثارة للخيال، ولكنها أعاجيب المقاومة الفلسطينية وإرادة الحياة التي لا تقهر عند المقاومين.
لخص وليد في رسائله الفكرة العميقة خلف هذه الإرادة بكلمات بسيطة: «الكف عن الشعور بالصدمة والذهول، والكف عن الشعور بأحزان الناس... أي ناس، وتبلّد المشاعر أمام مشاهد الفظائع... أي فظائع، كان بالنسبة إلي هاجساً يومياً، ومقياسي لمدى صمودي وصلابتي. إنّ الإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة، جوهر الإنسان العقلي هو الإرادة، وجوهره الجسدي هو العمل، وجوهره الروحي هو الإحساس، والإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة البشرية».
في إحدى رسائله، يطرح وليد دقة الأب وبإدراك عميق سؤالاً هامّاً: «أطفالنا يدركون معنى الجدار والحواجز ونقاط التفتيش قبل أن يُجردوها بكلمة احتلال، يبقى السؤال وربمّا السؤال التربوي: كيف يمكن أن نحول ما يصنعه هذا الواقع من طاقةِ هدمٍ إلى طاقةِ بناء وفعل إيجابي في شخصياتهم». تعلّمت ميلاد الكتابة، وصارت تعرف كيف تخط كلمتي أبي وأمي على جانبي علم فلسطين الذي رسمته بيدها.
سيذهب الاحتلال يوماً وينتهي وستكبر ميلاد، وسيظل والدها حياً في وجدانها وستردد في ذكراه ما قاله نزار قباني في رثاء والده: «أمات أبوك...؟ ضلالٌ! أنا لا يموت أبي.
ففي البيت منه... روائح ربٍّ.. وذكرى نبي... هنا ركنه... تلك أشياؤه... تفتق عن ألف غصنٍ صبي».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1170
آخر تعديل على الجمعة, 26 نيسان/أبريل 2024 22:42