رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (1)

رد اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (1)

في مواد سابقة جرت الإشارة إلى الإطار الفلسفي الذي يحكم معادلة الأزمة-الانتقال الحضاري التي تعيشها البشرية حالياً، ولكن الموضوع لا زال يحتاج لمزيد من المعالجة، أولاً، لأنه مغرٍ من ناحية مستوى التجريد والوضوح الذي قد يمدنا به، ومن هنا ضرورته النظرية، فالوضوح هو الحقيقة على حد تعبير مهدي عامل، وثانياً، في كونه يقدم أفق احتمالات سير التناقضات وحلّها، ومن هنا ضرورته السياسية العملية.

مجدداً حول الفلسفة

أشرنا في المادة السابقة بشكل خاص إلى أداة منهجية تاريخية تسمح ببناء الإطار العام الحاكم لفهم المعنى التاريخي لأزمة النموذج الحضاري القائم، أي فهم مكان الأزمة في التاريخ. وهذه الأداة هي الاستناد إلى مقارنة بين مستويات النشاط البشري لناحية التجريد والتعميم. وقلنا إنّ الفلسفة في تعريفها هي ميدان للنشاط الذهني الأكثر تجريداً وتعميماً للحياة العملية في كون العلاقات المنطقية التي تقدمها هي انعكاس للعلاقات التاريخية الاقتصادية-الاجتماعية، وفي كونها تقدم تصورات عن العالم وضمناً القيم والأفكار والعلاقات والتنظيم الاجتماعي (السياسة ضمناً)، وفي جوهر هذا الانعكاس تكمن علاقة الفرد بالمجتمع (لينين، الدفاتر الفلسفية؛ إنجلس، ضد دوهرنغ). وبالتالي فإن الفلسفة تقدّم «حقل اختبار تاريخي مبكر» لما يمكن أن يكون عليه العالم والتنظيم الاجتماعي العملي الملموس (الأقل تجريداً) في السياسة والاقتصاد والمجتمع والأفكار والقيم، إلخ. وبالتالي، إذا أخذنا التطور التاريخي للمذاهب والمدارس الفلسفية على قاعدة صراعها في وحدتها، ربطاً بالقاعدة التاريخية الاقتصادية-الاجتماعية التي تحكمها -وهذا ما سماه ثيودور أويزرمان بـ«العلم الفلسفي التاريخي» (أو فلسفة الفلسفة) في كتابه (تطور الفكر الفلسفي) (ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، ط.4) المنشور في موسكو-دار التقدم (1974)، تحت عنوان «مشاكل تاريخ الفلسفة». ، فإن الصراع في الفلسفة، في حدوده وخطه العام الحاكم، يسمح بفهم التطوّر الحاصل في النظام الاجتماعي كون هذا النظام يجد في الفلسفة ميدان اختباره المبكّر.

في المذاهب الفلسفية والسؤال الفلسفي الأساسي

إن تطور المذاهب الفلسفية هو تعبير عن صراع ضمن الفلسفة ككل، بين قطبي المادية والمثالية، وفي محاولة تأقلم كل قطب مع تطور القطب الآخر في الإجابة على السؤال الفلسفي الأنطولوجي-الوجودي الأساس أيهما أسبق الوجود/المادة أم العقل/الروح؟ والسؤال الفرعي الآخر هو إبستمولوجي-معرفي في «إمكانية معرفة هذا الوجود». وفي محاولة الإجابة على هذين السؤالين قدمت الفلسفة تيارات ومذاهب لا يمكن الفصل فيما بينها بشكل صاف لناحية انتمائها إلى المادية أو المثالية، ففي المادية حضرت المثالية بدرجات، وفي المثالية حضرت المادية بدرجات أيضاً، بمعزل عن حضور كل منهما في الأخرى. وإذا ما أخذنا حركة تلك المذاهب خلال تاريخ الفلسفة نراها تتموضع على متوالية بين قطبين: المادية المتطرفة والمثالية المتطرفة. وبينهما تنتقل المذاهب الفلسفية في محاولة تثبيت أو تجاوز الانقسام بين القطبين الذي يجد في الانقسام الاجتماعي (الطبقي وتقسيم العمل) قاعدته المادية التاريخية. وبالتالي فإن كل تطور في المثالية-المادية حكمه التطور في التوازن بين الطبقات الاجتماعية في صراعها، والتطور في تقسيم العمل كجزء من هذا الصراع وكتعبير عنه وكحاصل له في آن. ولأن المكان لا يتسع لمعالجة تفصيلية، اختصاراً يمكن القول بأن العمل الذهني كان حكراً بشكل كبير على الطبقات الحاكمة-المهيمنة، وبالتالي كانت الفلسفة، كنوع عالي التجريد لهذا العمل الذهني، محكومة بهيمنة المثالية بشكل عام، في كونها تعبيراً عن الطبقات والقوى الاجتماعية-الاقتصادية التي تنفصل عملياً عن سؤال حقيقة المجتمع في تحوله وانتقاله ربطاً بمصالحها «المحافظة» الطبقية في الحفاظ على الانقسام الطبقي قائماً ومحدوداً به. لهذا مثلاً، كانت الإجابة عن سؤال الوجود-العقل ومكان العقل في العالم، وعن سؤال معرفة العالم، تحافظ خلال تاريخ الفلسفة على انقسام ذات-موضوع، دون القدرة على التوليف الجدلي بينهما ربطاً في نهاية التحليل بعدم قدرة العقل الفلسفي المهيمن على تجاوز الانقسام الاجتماعي نفسه الذي يجد في العقل الفلسفي تعبيره الأكثر تجريداً وعمومية.

في تطوّر معادلة تقسيم العمل

يشير ماركس وإنجلس في كتاب «العائلة المقدسة: نقد النقد النقدي»، إلى أنه «كلما كان التحول في المجتمع عميقاً كلما كانت الكتلة الاجتماعية المؤثرة في هذا التحول أكبر». ومع انتقال في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، كان العمل الجسدي يترابط أكثر بالعمل الذهني، ليس فقط نتيجة التطور التكنولوجي ولكن كذلك نتيجة تطور الصراع بين القوى (المقهورة) التي لا تملك والقوى (القاهرة-المهيمنة) التي تملك وسائل الإنتاج. من العبد الذي عومل كشيء مملوك قابل للبيع والشراء ضمن حرية التصرف به من قبل مالكه، إلى البروليتاري الحرّ (حر في بيع قوة عمله للطبقة الرأسمالية)، هناك تحول في الشروط الاجتماعية وفي تعريف الفرد المنتمي إلى الطبقة المهيمَن عليها.
ومع كل تحول في هذا الاتجاه تطور الصراع الفلسفي وتغيرت الهيمنة فيه بين المذاهب، ولكن يمكن القول إنه مع كل اقتراب تاريخي-موضوعي بين الذات والموضوع، ومع كل تراكم للمادة التاريخية ووزن الوجود المادي وضغطه، كلما اشتدت أزمة الفلسفة المثالية في محاولتها التأقلم مع ازدياد الوزن المادي، كما يشير أوزيرمان في استناده إلى إنجلس، فعندما تنكشف لا عقلانية النظام الاقتصادي-الاجتماعي القائم، تهيمن اللاعقلانية في المذاهب الفلسفية المثالية. ولهذا كلما اشتدت حاجة الانتقال في المجتمع تطرفت المذاهب الفلسفية المثالية أكثر، مهما بدا عليه شكلها. وإذا عدنا إلى المتوالية بين القطبية الفلسفية وانقسام ذات-موضوع، فإن الفلسفة قدمت خلال تاريخها مذاهب مثالية صافية (صلفة/متطرفة) والتي عملت على نفي الواقع الموضوعي كلياً (الذاتية)، وبين مذاهب مادية صافية (صلفة/متطرفة) عملت على نفي العقل/الذات كلياً (التجريبية-الحسيّة)، وكلا التيارين يتطلبان بعضهما البعض على حد تعبير لينين (في الدفاتر الفلسفية) وماركس وإنجلس (في العائلة المقدسة): أن تنفي الواقع الموضوعي يعني أن تنفي العقل (العارف) بالضرورة، والعكس صحيح. وبين المادية والمثالية المتطرفة (كتعبيران عن المثالية بمعزل عن الشكل المادي لأحدهما) ظهرت مذاهب (لا أدرية وتشكيكية) هي تعبير عن تذبذبات وتوازنات في الطبقات الاجتماعية نفسها.
ولكن أكبر اقتراب بين الذات والموضوع حصل مع ولادة الرأسمالية، حين ترابط العمل الجماعي مع رأس المال الجماعي بشكل وثيق. هذا الاقتراب رفع من مستوى التناقض في الواقع ذاته، ومعه ارتفع الصراع ضمن الفلسفة، فنتج عن الواقع الجديد الذي يتسم بالعالمية ووعي الطبقات بدورها التاريخي دفعها لتطوير وعيها (الفلسفي ضمناً) نحو الوضوح الكامل (ماركس، وإنجلس، العائلة المقدسة). فتقاربت المادية والمثالية إلى حد كبير، فظهر المذهب الجدلي العقلاني الموضوعي المثالي لدى هيغل الذي تحضر فيه المثالية بشكل كبير، فيقول لينين في الدفاتر الفلسفية: في أعمال هيغل التي هي أرقى مثالية هناك القليل من المثالية والكثير من المادية. «تناقض»، ولكنه «حقيقة». وكان هذا أقصى ما وصلت إليه المثالية من تطور في قدرتها على تجاوز الانقسام في الفلسفة بين الذات والموضوع. ولهذا كانت الماركسية هي التطور المادي للهيغلية والتي هي التعبير الأرقى عن المادية في الفلسفة في الإجابة عن توليف (مثالي) للذات-الموضوع (وجود الذات يكون في وجودها لذاتها وللآخرين)، خصوصاً أن ولادة واقتحام الطبقة العاملة مسرح التاريخ في كونها «الطبقة التي في تحررها ستحرر المجتمع بأسره» دفع المادية إلى اتساقها الشامل في استيعابها الجانب الذاتي الذي تطور بشكل خاص ضمن المثالية في تحقق مادي (اقتصادي-اجتماعي) لمعادلة وجود الذات لذاتها وللآخرين.

خلاصة وتمهيد

على قاعدة هذا التطوّر في الإرث الصراعي الفلسفي، والمذاهب الفلسفية وحدودها، يمكن فهم التطور في مراحل الهيمنة الرأسمالية وأزمة تلك الهيمنة ربطاً بتطور معادلة تقسيم العمل ذهني-عضلي، وتطور التوازن الطبقي، والذي ينقسم إلى مراحل ثلاث أساسية: (1) ما قبل الحرب العالمية الثانية، (2) ما بعدها، (3) ومرحلة ما بعد الحرب الباردة التي بدورها تنقسم إلى مرحلتين تفصل بينهما الأزمة المالية لعام 2008 والتطور في الصراع العالمي ما بعدها. وهذا ما سنمر عليه في المادة القادمة.

لقراءة الجزء الثاني من المقال :  اعتبار الفلسفة وسؤال التحوّل الحضاري مجدداً (2)

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1170
آخر تعديل على الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2024 12:02