اقتصاد (3543)
تكاليف المعيشة تتسارع بمستويات قياسية خلال 2016، ومع هذا التسارع تتدهور قيمة الليرة، وأحوال السوريين، وينسحب ما تبقى من المنتجين المحليين، لأن القرارات الاقتصادية تستمر في تشجيع (الإثراء) السريع لكل المضاربين على كرامة السوريين وعملتهم.. فماذا لو تم التراجع عن هذه السياسة وما أبرز الخطوات السريعة المطلوبة؟
عندما يصل مستوى المعيشة الضروري لأسرة من 5 أشخاص إلى 260 ألف ليرة في الشهر، فإن الليرة عملياً تكون قد خسرت 88% من قيمتها منذ بداية الأزمة. حيث تضخمت تكاليف المعيشة، من 30 ألف ليرة في عام 2011 إلى 260 ألف ليرة، بنسبة 766%، ما يعني عملياً أن سعر الصرف يفترض أن ينتقل من 50 ليرة مقابل الدولار، إلى 435 ليرة.
فخسارة الليرة لقيمتها ينعكس مباشرة في قدرتها الشرائية، وتحديداً في تكاليف المعيشة الضرورية، وكلما خسرت الليرة من قيمتها ارتفعت الأسعار، والعكس صحيح.
لذلك فإن الرفع المتعمد للأسعار، كان واحدة من أكبر الضربات التي تلقتها الليرة السورية في قيمتها، وهذا الرفع المتعمد كان نتيجة مباشرة وغير مباشرة للسياسة الاقتصادية السورية طوال الأزمة، وهو ينجُم عن اتجاهين رئيسيين، الأول: إلغاء الدعم عن المواد المفصلية التي ترفع المستوى العام للأسعار، كالمحروقات وتحديداً المازوت، والثاني: الأسعار الاحتكارية للمستوردات الغذائية إلى سورية، بعد أن أصبح الغذاء هو السلعة الوحيدة مضمونة الاستهلاك في سورية..
30 ليرة لتر المازوت يخفض ثلث تكاليف المعيشة
بأخذ مادة المازوت ذات التأثير الأعلى على مستويات الأسعار، فإن ارتفاعها خلال الأزمة من 15 ليرة للتر إلى 180 ليرة للتر، أدى إلى رفع مستوى الأسعار بنسبة 440%، وفق المعادلة التقديرية التي تقول أن رفع سعر المازوت بنسبة 1%، يرفع المستوى العام للأسعار بنسبة 0,4%، ولذلك نستطيع القول، بأن ارتفاع أسعار المازوت خلال الأزمة بتأثيره على أسعار مختلف الخدمات والسلع وبالتالي على قدرة الليرة الشرائية، ساهم بنسبة 57% من تضخم تكاليف المعيشة.
442 مليون دولار دعم مازوت
وبناء عليه فإن تخفيض أسعار المحروقات الحالية سيؤدي حتماً إلى انخفاض في المستوى العام للأسعار، فما تكلفة هذا الخيار اليوم؟!
كنا قد أشرنا سابقاً إلى أن تكلفة استيراد حاجات المازوت لسورية خلال عام قرابة 260 مليار ليرة، أي حوالي 553 مليون دولار، وتخفيض أسعار المازوت بنسبة 80%، أي إعادة سعر الليتر إلى 30 ليرة تقريباً، يحمل الخزينة أعباء تقارب 442 مليون دولار.
العودة إلى سعر صرف 300 ليرة
إن تخفيض أسعار المازوت بهذه النسبة كفيل بتخفيض مستويات الأسعار بنسبة 32%، أي إعادة تكاليف المعيشة إلى ما يقارب 178 ألف ل.س شهرياً، وهي مستويات بداية عام 2016.
لتستعيد الليرة السورية جزءاً من قدرتها الشرائية، ويعود سعر صرف الدولار إلى ما يقارب 300 ليرة مقابل الدولار.
إن تحقيق أرباح من قطاع المحروقات في أوقات الحرب، هو سياسة تلغي نهائياً الأهداف المعلنة للسياسات الاقتصادية كلها، مثل حماية الليرة أو تحفيز الإنتاج والمشروعات الصغيرة، وتحديداً أن أسعار المحروقات في سورية لم تتكيف هبوطاً مع انخفاض أسعار النفط عالمياً بنسبة 50% وسطياً خلال عام منذ منتصف 2015، بل استمرت في الارتفاع. أما ذريعة الحكومة بتحصيل الموارد للخزينة، فهي غير مقبولة، لأن سحب الموارد من المحروقات عموماً ومن المازوت تحديداً، هو سحب الموارد من قدرات الإنتاج، ومن تكاليف المعيشة، ومن قدرة الليرة الشرائية، وهو يؤدي عملياً إلى تراجع في الموارد العامة..
380 مليون دولار دعم الغذاء يخفض الأسعار 10%
التقديرات الحكومية للإنفاق على الغذاء والمشروبات في عام 2011، كانت تقارب 12 ألف ليرة سورية للأسرة المكونة من 5 أشخاص، بنسبة 40% من مجموع الإنفاق الوسطي البالغ 30 ألف ل.س، وقد وصلت تكاليف الغذاء الضروري والمشروبات الأساسية فقط الشاي والقهوة في بداية شهر حزيران 2016 إلى 88600 ليرة، بتضخم بلغ: 640% تقريباً.
وهي نسبة مرتفعة، يساهم ارتفاع أسعار المحروقات فيها بنسبة كبيرة، إلا أن تكاليف الاستيراد تساهم مساهمة عالية التأثير، وسنركز على تأثير ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، نتيجة الارتفاع القياسي في أسعار المنتجات الحيوانية، وكل من مادتي السكر والأرز باعتبارهما عنصران غذائيان رئيسيان ومستوردان بالكامل.
الأعلاف مستوردة احتكارياً واللحوم تضخمت 885%
كل المكونات الغذائية كلها ارتفعت أسعارها إلا أن ارتفاعات أسعار مكون اللحوم سواء الفروج أو اللحوم الحمراء، مع مكون البيض والأجبان والألبان، كانت ذات ارتفاعات قياسية، وهي تشكل نسبة 43% من تكاليف الغذاء الضروري.
حيث أن اللحوم ارتفعت أسعارها بين عامي 2011 و 2016 بمقدار 885% تقريباً، أي أعلى من ارتفاع المستوى العام للأسعار، والسبب الرئيسي يكمن في أن عمليات تربيتها تراجعت إلى حد كبير، وتشير التقديرات إلى خسارة 60% من الثروة الحيوانية، بينما خسرنا 90% من عدد منشآت تربية الدجاج وإنتاج البيض، لكن تراجع التربية يعود إلى عوامل تتعلق بالتكلفة أكثر مما ترتبط بالظروف الأمنية.
العامل الحاسم في الارتفاع القياسي لأسعار المنتجات الحيوانية، يكمن في حجم الاستيراد لمكوناتها، الذي يؤثر في حجم التربية، ويجعل سوق التهريب ناشطة موضوعياً، بسبب ارتفاع قياسي في التكاليف، وانخفاض كبير في الطلب وقدرات الاستهلاك المحلي.
تشكل الأعلاف نسبة 80% من التكلفة في للدواجن، ونسبة 75% للأغنام والأبقار، وهي العنصر الأساسي في التكلفة، وقد أصبحت متغيرة بشكل يومي مع تغيرات سعر الصرف في السوق السوداء، فما تكاليف دعم الأعلاف وما أثرها؟!
100 مليون دولار وأعلاف الدواجن بنصف السعر
وفق الأسعار العالمية اليوم للذرة الصفراء والصويا وللمتممات، فإن تكلفة العلف في الكغ تبلغ 125 ليرة، وبعد إضافة تكاليف المتممات والنقل والتجفيف، فإن التكلفة تصل إلى 160 ليرة للكغ. أما سعر مبيع كغ العلف المحلي اليوم 230 ليرة للكغ في السوق السورية.
وبالتالي فإن تأمين 600 ألف طن في السوق المحلية، وهو مقدار مستوردات العلف بحسب تصريحات حكومية، يحتاج إلى تكاليف تبلغ: 96 مليار ل.س، أي حوالي: 204 مليون دولار.
حيث مولت وزارة الاقتصاد خلال نصف العام الحالي مستوردات التجار من أعلاف الدواجن بحوالي 105 مليون دولار.
إن تخفيض أسعار أعلاف الدواجن بنسبة 50%، وعبر الاستيراد المباشر لكامل الحاجات للمؤسسة العامة للأعلاف، عبر الخطوط الائتمانية أو عبر طرق استيراد أخرى، كفيل بتخفيض تكاليف الدواجن بنسبة 40%، أي إعادة التكلفة من 1100 ليرة للكغ، إلى قرابة 600 ليرة للكغ، ودون إجراءات من هذا النوع، فإن المستوردين المحتكرين لأعلاف الدواجن، سيستمرون بطرد المنتجين من السوق، والذين لم يتبقّ سوى 10% منهم.
127 مليون دولار وتأمين حاجات الشعير المحلي
أما تأمين 600 ألف طن من الشعير محلياً -وهو أمر ممكن حيث أن إنتاج سورية من الشعير يقدره البعض في العام الماضي بمقدار 1,6 مليون طن- وبسعر للمزارعين 75 ليرة للكغ، وبسعر للمربين 50 ليرة للكغ، يشكل تكلفة 60 مليار ليرة، أي حوالي 127 مليون دولار، قادر على تخفيض تكاليف الأعلاف في تربية المواشي بمقدار 30%، وتخفيض تكاليفها على المستهلكين بنسبة قريبة، لإعادة التكلفة الوسطية لكغ اللحوم الحمراء من 4300 ليرة، إلى 3000 ليرة للكغ، أي ليعود كغ لحم العجل إلى قرابة 1000 ليرة، والغنم إلى 3500 ليرة للكغ.
إن دعم الأعلاف بنسبة 50% للذرة الصفراء والصويا والشعير، كفيل بتخفيض تكاليف الحاجات الضرورية من المشتقات الحيوانية من 38 ألف ليرة شهرياً، إلى 21500 ليرة سورية تقريباً، أما التكلفة السنوية فهي 102 مليون دولار تقريباً لأعلاف الدواجن، و127 مليون دولار لأعلاف الحيوانات، أي بمجموع قرابة 230 مليون دولار.
150 مليون دولار للأرز والسكر..
استوردت سورية في عام 2013 400 ألف طن من الأرز، بحسب بيانات منظمة الفاو العالمية، ويفترض أن حاجات الأرز لا تزال عند هذا المستوى، فإن تأمين نصف الحاجات اليوم، مدعومة بنصف السعر، يكلف قرابة 85 مليون دولار، وفق سعر الطن العالمي اليوم 409 دولار للطن.
ويكون السعر المدعوم في السوق: 97 ليرة للكغ، أي قرابة 100 ليرة للكغ.
أما بالنسبة للسكر، فقد استوردت سورية في عام 2013 850 ألف طن من السكر، بحسب بيانات الفاو، ويفترض أن حاجات السكر لا تزال عند هذا المستوى، فإن تأمين نصف الحاجات اليوم، مدعومة بنصف السعر، تكلفته 64 مليون دولار، وفق سعر الطن العالمي الذي لا يزال يقارب 300 دولار للطن، ويكون السعر المدعوم في السوق: 70 ليرة للكغ.
وبفرض أن تأمين نصف الحاجات، بنصف السعر، يساهم في تخفيض مستوى الأسعار بنسبة 25% لكل من الأرز والسكر، فإن تكلفة الحبوب والحلويات في مكونات السلة الغذائية تنخفض من 175 ليرة يومياً، إلى 130 ليرة يومياً.
ومجموع التكلفة لدعم الأرز والسكر بنسبة 50% يبلغ 150 مليون دولار تقريباً..
إن دعم الأعلاف والسكر والأرز كفيل بتخفيض تكلفة الغذاء والمشروبات الضرورية في سورية بنسبة 28% تقريباً، من 88600 ليرة شهرياً في نهاية شهر 6-2016، إلى 63700 ليرة، ويحقق توفير بمقدار 25000 ليرة سورية للأسرة السورية، ويخفض تكاليف المعيشة إلى 235 ألف ل.س، أي أنه يساهم في تخفيض تكاليف المعيشة بنسبة 10% تقريباُ.
إن مبلغ دعم 822 مليون دولار سنوياً كافية لتخفيض سعر ليتر المازوت إلى 30 ليرة، سعر كغ الفروج إلى 600 ليرة اللحوم إلى 3000 ليرة، الأرز 100 ليرة، والسكر 70.
-40%-إنفاق الدعم المذكور كفيل بتخفيض مستويات الأسعار بنسبة 40%، لتعود تكاليف المعيشة من 260 ألف ليرة شهرياً لأسرة من 5 أشخاص، إلى قرابة 160 ألف ليرة شهرياً.
266-إن عودة تكاليف المعيشة إلى مستوى 160 ألف ليرة سورية، يعني استعادة الليرة لجزء من قيمتها مقابل الدولار، حيث بناء على تضخم تكاليف المعيشة فإن سعر الصرف يعود إلى 266 ليرة مقابل الدولار.
41% -موازنة 2016 تضمنت بند الدعم الاجتماعي بمقدار 973 مليار ليرة، تعادل 2 مليار دولار بسعر صرف 470، وهذه المبالغ تم توفير جزء هام منها بعد تحويل المحروقات إلى قطاع رابح غير مدعوم، وتستطيع تغطية تكاليف الدعم السابق.
هل نملك 822 مليون دولار لتمويل الدعم؟!
إعادة سعر ليتر المازوت إلى 30 ليرة، ودعم أعلاف الدواجن بنسبة 50%، ودعم نصف حاجات الشعير، والأرز والسكر بنسبة 50%، جوانب فقط من جوانب الدعم الممكنة لعناصر التضخم الرئيسية، وهي رفع أسعار المحروقات ورفع أسعار الغذاء وربطه بالدولار. ودعم هذه العناصر كفيل بتخفيض مستويات الأسعار بنسبة 40% بشكل مباشر، عدا عن تأثيراته اللاحقة على تخفيض مستويات الأسعار عندما يتوسع الإنتاج نتيجة انخفاض التكاليف، وانخفاض الطلب على الدولار في السوق نتيجة تقليص حجم الاستيراد..
والتكلفة الإجمالية لهذا الدعم خلال عام، وفق تقديرات قاسيون تبلغ 822 مليون دولار تقريباً، قد يبدو الرقم كبيراً، إلا أن مقارنته مع رقم الدعم المرصود في موازنة 2016، مع استمرار عقلنة الدعم، يوضح أن وفورات الحكومة من التقشف من الممكن أن تؤمن التكاليف.
فموازنة سورية في عام 2016 رصدت للدعم الاجتماعي 973 مليار ل.س، وهي تقارب 2 مليار دولار، وفق سعر صرف 470 الحالي، ونسبة 78% من هذا الدعم قد تم توفيرها بعد أن أصبح قطاع المحروقات رابحاً، وبعد أن أصبح سعر المبيع الوسطي للكيلو واط الساعي من الكهرباء، أعلى من التكلفة الوسطية لإنتاجه، وبعد أن تم إلغاء جزء هام من الدعم التمويني على السكر والأرز.
يمكن أن نضيف أن آخر التقديرات للجنة الإسكوا رصدت أن الناتج السوري في عام 2015 قارب 27 مليار دولار، بينما الحكومة ترصد في ميزانيتها أنها ستحصل من ضرائب الأرباح 57 مليار ل.س فقط، أي حوالي: 121 مليون دولار، وما نسبته 0.4% من الناتج الوطني، بينما يحصل أصحاب الربح على أكثر من 75% من الدخل المحقق اليوم، وهذا وفق حصتهم المقدرة في عام 2010، والتي تفوق هذه النسبة بكثير اليوم، مع التراجع المطلق في حصة الأجور..
تخفيض مستويات الأسعار، وزيادة قيمة الليرة، وقدرة المنتجين على الإنتاج، والمستهلكين على الاستهلاك، وإيقاف تدهور الوضع المعيشي الكارثي للسوريين، كان ممكناً سابقاً، وهو ممكن اليوم، ولكن له طريق وحيد، وهو استخدام الموارد العامة لدعم المواد الأساسية، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى تخفيض حصة الأرباح وإعادة توزيع الدخل. لأن هذه المسألة لم تعد اليوم (مطلباً اجتماعياً) فقط، بل أصبحت مفصلاً في تعمق الأزمة الاقتصادية في سورية والتي قد تودي بقيمة الليرة، وتؤدي إلى فوضى اجتماعية غير مسبوقة.
من تجربة لبنان.. ما هي نهاية طريق أولوية السياسة النقدية والمالية؟!
ليلى نصرتعتبر السياسات النقدية والمالية، أداة في خدمة المشروع الاقتصادي العميق لأصحاب الوزن الاقتصادي في رسم السياسات، وكلما زاد الاعتماد على هذه الأدوات، وتحويلها إلى أهداف كلما عكس ذلك تجاهل متعمد للمؤشرات الاقتصادية الحقيقية، هذا ما حصل في لبنان، وما يحصل في سورية اليوم..
يشير الاقتصادي اللبناني غسان ديبة في دراسة منشورة في مجلة الإعمار والاقتصاد بتاريخ حزيران 2016، إلى أن السياسات النقدية والمالية قامت على هندسة الاقتصاد اللبناني بعد الحرب وفي نهاياتها، مع التبعية الاقتصادية وعدم الاستقلال.
ليلى نصر
حولت القوى الاقتصادية الكامنة وراء هذه السياسات النقدية والمالية، الاقتصاد اللبناني إلى النشاط المصرفي والخدمي، حيث أن نسبة القطاع الزراعي والصناعي من الاقتصاد كانت أكبر في عشية انتهاء الحرب اللبنانية وبدء إعادة الإعمار، مما هي عليه اليوم.
أدوات نقدية
لبنانية أدت (للريعية)
ليعدد الباحث جملة من الإجراءات النقدية والمالية التي أدت إلى تراجع عمليات الإنتاج في القطاعات الحقيقية.. أهمها تثبيت سعر صرف العملة عند مستوى مرتفع، والسعي إلى تأمين تدفق الأموال الخارجية، وتمويل الخزينة عبر السندات، ورفع أسعار الفائدة لهذا الغرض، وكانت النتيجة أن مولت رؤوس الأموال سندات الخزينة الحكومية، لأغراض النشاط الخدمي الضيق لجهاز الدولة المتراجع في لبنان عن أداء مهامه الاقتصادية والاجتماعية، وحصل حاملو السندات على فوائد مرتفعة. وبالمقابل أدى ارتفاع سعر الفائدة إلى جعل تكاليف الإقراض للقطاعات الإنتاجية عالية جداً، فأصبحت منظومة الاقتصاد اللبناني التي تعتمد في الاستثمار والاستهلاك على الإقراض المصرفي، غير معنية بالاستثمار في القطاع الإنتاجي، بينما جهاز الدولة غارق بالدين العام ومنسحب تماماً من العملية الإنتاجية.
كما يشير الباحث اللبناني عبد الحليم فضل الله، إلى أن (أولوية الأهداف النقديّة والماليّة على الأهداف الاقتصاديّة والإنمائية) في النموذج اللبناني المستمر منذ مرحلة نهاية الحرب وإعادة الإعمار، كانت أهم الأسباب التي أدت إلى فشل برامج التنمية والإعمار في لبنان، حيث كانت تكلفة تثبيت قيمة الليرة اللبنانية أعلى من تكاليف الاستثمار، وفي هذا تناقض واضح، مع كون إعادة القيمة إلى الليرة اللبنانية يعتمد على حجم الاستثمار والإنتاجي منه تحديداً..
وكانت السياسة النقدية والمالية في لبنان هي سبب ونتيجة، لقرار القوى الاقتصادية اللبنانية في التركيز على أولوية ضيقة غير وطنية، في تحويل لبنان، وبيروت تحديداً إلى سوق مالي، ومركز خدمي، لتكون النتيجة بأن حجم الودائع المصرفية في لبنان أصبح 250% من الناتج، ولم يتم إنجاز عملية إعادة الإعمار في لبنان.
سورية على الطريق ذاته؟!..
السياسة الاقتصادية في سورية بدأت في السنوات الأخيرة تنحو هذا النحو، أي نحو جعل الأهداف النقدية والمالية محوراً في السياسة الاقتصادية، وفي مقدمة المؤشرات على ذلك هو تكييف السياسات الاقتصادية كلها، وأياً كانت النتائج مع فكرة مواجهة العجز، عبر تخفيض النفقات الاقتصادية والاجتماعية العامة لحدود قصوى تقشفية، والسعي لتوسيع الإيرادات من رفع أسعار الخدمات والسلع الحكومية فقط.
يضاف إلى هذا وضع هدف نقدي، لمواجهة الاضطرابات الحادة في سعر صرف الدولار في السوق، بأدوات محدودة قائمة على المصرف المركزي فقط، الذي استخدم احتياطي القطع الأجنبي، للدخول في عملية العرض والطلب في السوق بأشكال مختلفة، مرة عبر البيع للمواطنين، ثم عبر شركات ومكاتب الصرافة والمصارف وغيرها.. وصولاً إلى السياسة الأخيرة القائمة على (حبس الليرة السورية) الموجودة في المصارف، وعدم الموافقة على طلبات سحب الأرصدة الكبيرة، وهو الإجراء الذي لم تتبعه السياسة النقدية والمالية في بداية الأزمة، عندما خرجت الكتلة الرئيسية من الودائع في المصارف السورية.
كما أن السياسات المالية أوقفت عمليات الإقراض بشكل شبه كامل، رغم استقرار نسبي في سيولة المصارف، وتركت للمصارف مجال عمل وحيد، هو استخدام احتياطي القطع الأجنبي الذي تم السماح بتشكيله، وتداوله خلال عام، وكانت النتيجة عدم انكشاف خسارات المصارف العاملة وشركات التأمين، ولكن عبر المضاربة بالقطع الأجنبي على قيمة الليرة، حيث تشي أرباح المصارف الخاصة من تغيرات قيمة القطع الاحتياطي لديها التي تشكل نسبة 90% من الأرباح، بأن هذا القطع يجري تداوله وتشغيله في سوق الدولار الداخلية.
علاج الأعراض يفاقم الأزمة
إن مجمل الأهداف السابقة مواجهة العجز، وضبط سعر الصرف، وحماية الليرة، والحفاظ على النشاط المصرفي والمالي ومنع خسارته، هي أهداف مشروعة وضرورية، إلا أن المفارقة أن الأدوات السابقة، إن نفعت فهي لا تنفع إلا كعلاج مؤقت يمنع ظهور الأعراض، ولكنه يفاقم الأزمة وتحديداً عندما لا يرفق بحلول جذرية.. فمواجهة العجز قد تتطلب ضبط النفقات وتوسيع الإيرادات، ولكنها تتطلب بالمقابل إبقاء قدرة الاقتصاد على خلق الموارد، أي إبقاء النشاط الإنتاجي وقدرات الاستهلاك العامة، وهو ما يتم هزّه بقوة في سورية، عبر السياسات التقشفية، وسحب الموارد من إمكانيات استهلاك الاجور.
وضبط سعر الصرف ومنعه من الارتفاع قد يتطلب استخدام احتياطي القطع الأجنبي لضخ الدولار في السوق، ولكن ليس إلى حد هدر 17 مليار دولار من القطع الأجنبي في سياسة لم تفلح سوى في إبقاء السعر الرسمي مواكباً لمتغيرات السوق، وحولت القطع الأجنبي لصالح قوى السوق المضاربة.
وحماية المنظومة المصرفية تتطلب السماح بتكوين احتياطي قطع أجنبي، ولكنها تتطلب أيضاً عزلها عن المضاربة، وتحفيز استخدام الودائع بشكل إقراضي إنتاجي تؤمن له شروط النجاح والسداد في الظروف الأمنية المضطربة.
التمويل بالدين وسندات الخزينة..
تلتقي اليوم الكثير من الرؤى الاقتصادية عند آلية جديدة في السياسة المالية والنقدية يسوق لها على أنها الآلية الأهم لتمويل الخزينة العامة للدولة، وتحقق إلى جانب هذا زيادة الطلب على الليرة السورية، والحديث هنا عن الدين العام عبر سندات الخزينة، أي أن يصدر المركزي سندات خزينة، يقترض مقابلها من رؤوس الأموال، ويعيد لها فائدة، لتقوم الحكومة بتأمين إنفاقها بالدين..
من المشروع أيضاً استخدام الأموال الخاصة في دعم تمويل المال العام، إلا أن هذا الإجراء يكتنف على مخاطر إذا لم يتم الربط بين حجم نمو الدين، وحجم التراكم الاستثماري، والنمو الاقتصادي، ونمو الموارد العامة. ودون إيجاد مقياس دقيق للربط بين هذه المؤشرات فإن التمويل بالدين ذو آثار عالية السلبية من جانبين، الأول: زيادة أعباء الدين العام، وتحويل الموارد العامة لخدمة الدين، لأن رؤوس الأموال لا يمكن اجتذابها في المرحلة الحالية والمرحلة القريبة المقبلة إلا بفائدة عالية. والثاني: أن رفع أسعار الفائدة سيعيق استخدام السيولة لتحريك الإقراض باتجاه العمليات الإنتاجية، بسبب ارتفاع التكلفة. وكلا الجانبين يؤديان إلى زيادة العجز، وتراجع قدرات الدولة، وارتفاع سعر الصرف، وتراجع قيمة الليرة..
إن الإجراءات النقدية والمالية كلها، أياً كانت أهدافها الجزئية، تنقلب ضدها، إذا ما تعارضت مع عناصر الأزمة العميقة في الاقتصاد السوري اليوم، وهي تراجع قدرات الإنتاج والاستهلاك العامة، التي تحتاج إلى إجراءات معاكسة لكل ما تم اتباعه حتى اليوم، فالحل يكمن في تعبئة الموارد والدعم الحكومي الموجه للإنتاج الحقيقي والاستهلاك، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتقليص الأرباح التي تعتمد على المضاربة والريع والاحتكار في الظرف الحالي.
لطالما حذرت «قاسيون» من تطلعات رجال الأعمال إلى مناصب سياسية، أو كل السلطة السياسية إن أمكنهم ذلك، لتسيير أعمالهم وزيادة أرباحهم على حساب الأكثرية الساحقة في المجتمع، وكثيراً ما نبّهت من أن التغيرات البنيوية الجارية في الاقتصاد السوري تمهّد لانتقال مركز الثقل بالتدريج إلى أيدي قلة قليلة من «رجال الأعمال» ومن لف لفهم من كبار الفاسدين، ولكن.. لا حياة لمن تنادي!.
هل انعكست أرقام النمو إيجاباً على المواطن السوري كما يزعم الزاعمون؟!
Written by حسان منجههل انعكست أرقام النمو إيجاباً على المواطن السوري كما يزعم الفريق الاقتصادي الحكومي؟!! سؤال تتباين الإجابات عليه، ففي بعض الأوساط الحكومية هناك إصرار على انعكاس هذا النمو على المواطن السوري، لكن هذه الأوساط لا تحدد طبيعة هذا الانعكاس أهو إيجابي أم سلبي، لتترك للمتابعين الاجتهاد في تفسير ما تقصده. أما لدى الناس، ولدى العديد من الاقتصاديين فالإجابة واضحة: لا، لم ينعكس إيجاباً، ليتبع هذه الإجابة الصارمة تشكيك وتفنيد علمي لحقيقة أرقام النمو المعلنة أساساً، والتي تؤكد عدم انعكاسه إيجابياً على المواطن السوري العادي على الإطلاق.
التطور الانتقائي في الإعلام الرسمي «مدهش»، والوصف هنا مستوحى من العنوان الذي أبرزته إحدى الصحف على صفحتها الأولى وكان: «الغارديان: التطور الاقتصادي في سورية مدهش»!.
تنفي التصريحات الحكومية «الطازجة» ما يشاع حول عدم انعكاس أرقام النمو المعلنة على الحياة المعيشية للمواطن بالقول: «إن هذا غير صحيح».. وتهرب إلى الأمام بالتأكيد أن «هناك توجهاً لناحية زيادة الرواتب والأجور بنسبة 35 % قبل نهاية العام».
تحرير التجارة الخارجية.. هل هو قاطرة للنمو؟ د. الحمش: التحرير قبل التمكين خطر جسيم!
Written by قاسيونتصدى د. منير الحمش في الندوة الأخيرة لجمعية العلوم الاقتصادية السورية لموضوع تحرير التجارة من حيث شروطه وأبعاده، وتوقف مطولاً عند هذا التحرير، وإمكانية اعتباره قاطرة للنمو الاقتصادي..
كانت الذرة الصفراء محصولاً يزرع في المحافظات السورية كافة، وجزء من منظومة المحاصيل التي تقوم الحكومة بشرائها وتحديد أسعارها..
الدواجن في سورية: (بتطير وبتعلي)! والقطاع مهدد بوجوده..
Written by عشتار محموديتضح في قطاع تربية الدواجن كما لا يتضح في غيره، كيف تدفع السوق قطاعات إنتاجية كاملة إلى التدهور بمنتجيها كلهم مقابل (هبشات ربح) كبرى لقلة قليلة، فيربح هؤلاء ويتدهور القطاع الإنتاجي ومنتجوه وينسحب التأثير على قدرات استهلاك السوريين المتهالكة..
260 ألف ل.س تكاليف معيشة الأسرة السورية ارتفاع 18% خلال 3 أشهر.. و48% خلال نصف عام!
Written by قاسيونشهدت فترة الأشهر الثلاث 4-5-6 من العام الحالي تقلبات كبيرة في سعر صرف الدولار مقابل الليرة الذي يبلغ اليوم 470 ليرة مقابل الدولار، بزيادة قدرها 6.8%، رغم مروره بمستويات قياسية خلال هذه الفترة أثرت على أسعار السلع.
More...
د. عربش في الثلاثاء الاقتصادي: هناك معدلات نمو مرتفعة وحقيقية شعرنا بها!!!
Written by قاسيونانتقلت ندوات جمعية العلوم الاقتصادية السورية إلى مستوى مختلف الثلاثاء الماضي، فبعد انتهائها من محور السياسات الاقتصادية المتبعة وآثارها الاجتماعية في سورية، بدأت هذه الندوات تنحو باتجاه معالجة قضايا الاقتصاد الوطني من منطلق تأثره وتأثيره بالمحيط الإقليمي والعالمي، وفي هذا السياق جاءت محاضرة الباحث الاقتصادي د. زياد عربش بعنوان «الاقتصاد السوري في ظل المتغيرات الدولية وتحديات الشراكة»..
الفساد مجدداً 200 مليار خسارة.. شركة الأسمدة.. هدر وسرقة وفساد في وضح النهار
نزار عادلة«ارفعوا أيديكم عن الشركة العامة للأسمدة».. هذا شعار يردده كل غيور على القطاع العام، وعلى الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. فهذه الشركة كانت منذ إنشائها في السبعينيات من القرن الماضي ومازالت بقرة حلوباً لجهات عديدة: إدارات وتجار وسماسرة وجهات وصائية عديدة، ورغم ذلك يتم قتلها بالإهمال، ويجري تخريبها عن سابق تصور، وقد وصلت خسارتها إلى /200/ مليار ل.س مؤخراً. ورغم ذلك ساهمت بتوفير /45%/ من حاجة سورية للأسمدة، بعد أن سدت في الأعوام الماضية /75%/ من حاجة البلاد لهذه السلعة.
الحكومة تسعى لجعل القطاع الكهربائي دجاجة تبيض ذهباً في جيوب المستثمرين
Written by حسان منجهفي خطوة دفاع جديدة عن مصالح المستثمرين وأرباحهم يينتهجها الفريق الاقتصادي بدلاً من الالتفات لمصالح الاقتصاد الوطني والمواطنين على حدٍ سواء – هدف ومقصد أية سياسات حكومية متبعة -، دعا النائب الاقتصادي عبدالله الدردري خلال المؤتمر الوطني للطاقة للنظر إلى قطاع الطاقة ليس بصفته ملبياً لاحتياجات الاقتصاد السوري فقط، وإنما باعتباره أمراً ضرورياً للاستثمار... وبرؤى تبشيرية لاحتمالات جديدة في مجال رفع أسعار المشتقات النفطية محلياً، ولفت الدردري إلى استحالة الاستمرار بنظام التسعير الحالي للطاقة. فالنائب الاقتصادي يخلق حاجزاً وهمياً بين حاجة الاقتصاد من جهة والمواطن السوري من جهة آخرى، وكأنهما في حالة تنافس وتناقض، بينما تؤكد السياسات الاقتصادية التي تتخذها كافة دول العالم - على اختلاف اتجاهاتها – أنها لا تهدف في النهاية لخدمة الاقتصاد الوطني، بل إنها تسعى دائماً لترسيخ أقدام ومصالح شريحة أو طبقة اجتماعية، حيث تصب جميع الإجراءات والسياسات الاقتصادية المتبعة في خدمة مصلحتها، كما أن النائب الاقتصادي يسعى لرفع أسعار الطاقة بهدف تشجيع المستثمرين على الاستثمار في مجاال الكهرباء وغيره من حوامل الطاقة دون أن يأبه لما لذلك من آثار سلبية على مختلف شرائح الشعب السوري، وجل اهتماماته جعل هذا القطاع الخدمي دجاجة تبيض ذهباً في جيوب المستثمرين عرباً كانوا أم أجانب.
د. قدري جميل في ندوة الثلاثاء الاقتصادي.. «الدُّروس المستخلصة من الخطة الخمسية العاشرة» تفنيد عميق لأرقام الحكومة وادعاءاتها
د.قدري جميلقدم د. قدري جميل في ندوة الثلاثاء الاقتصادي يوم الثلاثاء 9/3/2010 كل البراهين والأرقام التي تدحض ادعاءات الحكومة بأنها أنجزت ما يمكن أن يُعتد به خلال تنفيذها للخطة الخمسية العاشرة، ففي محاضرته «الدروس المستخلصة من الخطة الخمسية العاشرة»، أثبت د. جميل أن التحديات الأساسية للخطة سواء على مستوى تنشيط الاستثمار أو محاربة البطالة أو مكافحة الفقر أو رفع الناتج الإجمالي... لم تحقق المخطط له أو المأمول تحقيقه..




