Skip to main content

نقابات وعمّال (5655)

مع دخول الحرب العدوانية على لبنان مرحلة جديدة من التصعيد، واشتداد الغارات الجوية والإخلاء القسري للمناطق، لم يعد أمام عشرات الآلاف من السوريين المقيمين فيها سوى خيار العودة إلى البلاد. ووفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، عَبَر الحدود نحو 119 ألف مواطن سوري باتجاه سورية خلال الفترة الممتدة بين 2 و17 آذار 2026، ومن المؤكد أن الأعداد قد تزايدت خلال الأسبوعين الماضيين. وباعتبار أن معظم التقديرات تشير إلى أن نسبة العمال من إجمالي السوريين في لبنان تتجاوز 96%، فإن هذه العودة تعني عملياً تدفقاً مفاجئاً ليد عاملة جديدة إلى سوق منكوب ومنهار بشكل كبير، في ظل ما يعانيه من بطالة هيكلية وتشوهات إنتاجية مزمنة تمتد لعقود خلت. وإذا افترضنا أن بعض هؤلاء العائدين يحملون مدخرات تعينهم على تجاوز الأسابيع الأولى، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً: كم يوماً ستكفي هذه المدخرات؟ ففي ظل التضخم المتسارع، لن تصمد طويلاً أمام غلاء المعيشة في سورية، ما يعني أن هذه العودة لن تتحول إلى استقرار، بل ستحوِّل أزمةَ البطالة إلى صدمة إضافية في وجه اقتصاد هش أصلاً.

تواجه محافظة الرقة مجموعة كبيرة من القضايا العمالية العالقة منذ سنوات، يضاف إليها مجموعة أخرى جديدة برزت خلال الأشهر الماضية إلى الواجهة في مختلف المديريات والمؤسسات والجهات الحكومية الأخرى. ويبرز معها الحاجة إلى حل هذا الكم الهائل من القضايا الشائكة حلاً عملياً وسريعاً، بعيداً عن التسويف والتنظير والتعقيد والروتين، وبطرق مرنة بل بأعلى مرونة، لأنها تتعلق بحياة ومعيشة آلاف العائلات الرقاوية المعتمدة على كد يمينها وأجرها هذا من جهة، ولضرورات الحفاظ على السلم الأهلي والأمن الاجتماعي في محافظة الرقة من جهة أخرى.

في عام 1921، حاول أصحاب المناجم فرض تخفيضات على الأجور، لكن الحكومة أعلنت حالة الطوارئ وتراجعوا. لكن الأزمة لم تحل، بل تفاقمت. ففي عام 1925، أعلن أصحاب المناجم أنهم سيخفضون الأجور بنسبة 13% ويزيدون ساعات العمل من 7 إلى 8 ساعات يومياً. كان عمال المناجم يعملون في ظروف قاسية: ساعات طويلة، مخاطر صحية دائمة (أمراض الرئة، الانهيارات)، وأجور لا تكاد تسد الرمق. وفي 31 يوليو 1925، هدد عمال المناجم بالإضراب، ووقفت نقابات السكك الحديدية والنقل إلى جانبهم، ووعدوا بتنظيم إضراب تضامني.

شهدت الأسواق خلال الشهرين الأخيرين زيادات غير معقولة في الأسعار، خاصة للمواد الغذائية واللحوم والخضروات، مما جعل تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية تحدياً حقيقياً لغالبية العمال والموظفين. إذ لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى سمة بنيوية في الحياة اليومية تؤدي إلى تآكل مستمر في قيمة الرواتب والأجور، بحيث فقدت جميع الزيادات التي صدرت في الآونة الأخيرة معناها الفعلي.

ما إن صدر مرسوم الزيادة الجديدة مع بداية عطلة عيد الفطر حتى بدأت النقاشات والأسئلة تدور حولها. وبعيداً عن التحليل الاقتصادي الذي نتركه لأهل الاختصاص، لا بد لنا من جولة بين تلك الطروحات والأسئلة، خاصة أن الزيادة فُعِّلَت كمثيلاتها وبالتسلسل المعتاد نفسه الذي يبدأ بارتياح وترحيب ومباركة مؤقَّتة تدوم لأيامٍ قليلة أو ساعات، لندخل بعدها المرحلة التالية والدائمة، التي عنوانها الحذر والتخوف، وصولاً إلى مواجهة نتائجها بشكل واقعي مُعاش. ويمكن تلمُّس ذلك من مضامين الطروحات والأسئلة المفتوحة التي عجَّت بها وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها. فموظفو القطاع العام خَبِروا كل ذلك. فالبعض اعتبر أن الزيادة مجرد إجراء إسعافي اضطراري يهدف إلى ترميم جزء من القوة الشرائية المفقودة التي تآكلت بالفعل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بشكل جليّ، أي أنَّ التضخم المتسارع وارتفاع حدة الاستياء المعيشي والخدمي استدعى الزيادة. في حين رأى البعض أن الزيادة بحد ذاتها ستعود وترفع الأسعار بنسبة أعلى من القيمة الشرائية للزيادة، وأنَّ ما أُعطي باليد اليمنى سيؤخذ باليسرى، حتى وإن ادَّعت الحكومة أن تمويل الزيادة ذاتيٌّ وحقيقي وليس من طباعة ورق جديد. وبرزت جملة من الآراء التي ذهبت إلى أبعد من ذلك، والتي اعتبرت أن التضخم تحوَّل من دوري إلى بنيوي، وأن أي زيادة على الأجور دون برنامج اقتصادي متكامل معتمد على الإنتاج الحقيقي، سينقل الكتلة النقدية الجديدة إلى جيب الحكومة أولاً من خلال زيادة أسعار المحروقات والخبز وسعر الصرف والرسوم والضرائب وحزمة من رسوم الخدمات الجديدة، وإلى جيب التجار ثانياً من خلال رفع أسعار المواد بنسبة تفوق زيادة كلفة إنتاجها لتوسيع هامش الربح.

الأحد, 22 آذار/مارس 2026 17:19

رسائل عمالية من الشمال السوري

Written by

وردتنا خلال الأسبوع الفائت مجموعة من الرسائل المتضمنة جملة من المطالبات والتوضيحات التي تخص العاملين في مناطق الشمال السوري بشكل عام وحلب وريفها بشكل خاص، وسنفرد هذه المادة لنقلها كما وصلتنا مع بعض التعديلات الخاصة بضرورات التحرير الصحفي واللغوي.

مع حلول عطلة عيد الفطر، تعجُّ الأسواق المحلية الكبرى والمتوسطة والمنشآت الخدمية بالزوار والعائلات التي تقصد المنتزهات والمطاعم والمقاهي والمولات التجارية وأسواق الأكل، للقيام بنشاطها الاجتماعي والترفيهي المعتاد، رغم انكفائها في المناطق المفتوحة بسبب حالة الطقس الماطر وتعويضها بالمناطق المغلقة كالمولات. وخلف هذه الأجواء المزدحمة والمبهجة، يحضر عشرات آلاف العمال بمختلف شرائحهم وفئاتهم في هذا القطاع واقعاً مختلفاً تماماً. فحصتهم من العطلة مجرد عمل شاق ومجهد مضاعف بعلّة الذروة المستمرة لساعات طويلة، ومردود مالي شحيح غير عادل لا يتناسب مع جملة التضحيات الاجتماعية والصحية والنفسية التي يتعرضون لها. في حين ترتفع الإيرادات المالية لصاحب العمل والمستثمر أضعافاً مضاعفة بهوامش ربحية عالية نتيجة رجحان كفة الطلب على المنتجات والخدمات في موسم العيد. وللعمل في كل ذلك «أذن الجمل»، إن لم نقل أقل من ذلك.

يتناول بعض السياسيين أفكاراً عن عدم تأثر سورية بالعدوان الأمريكي والصهيوني على إيران وأنها باتت اليوم خارج سياسة المحاور وأنها في مأمن من تداعياتها العسكرية أو الاقتصادية حتى متناسين موقع سورية الجغرافي واقتصادها الذي بات يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد خاصة المواد الأساسية من غذاء ومحروقات.

كلما اقترب موعد مناسبة ما، انطلقت الإشاعات التي تتمحور حول منحة حكومية مالية على الراتب، عادة ما تأتي بمرسوم وتُمنح لمرة واحدة. وقد تُصيب الإ شاعة تارة وتُخطئ تارات عديدة. ومع اقتراب موعد عيد الفطر، أخذت الصفحات تتداول جهوزية مرسوم بها، وما بين مصدِّق ومكذِّب ومروِّج وحيادي، تمر الأيام تباعاً بانتظار تأكيد المرسوم أو نفيه. وهذا ما حصل قبل أيام من بداية شهر رمضان، وهذا ما سيحصل في كل الأعياد والمناسبات القادمة. ورغم خيبات الأمل المتتالية التي يتعرض لها عمال وموظفو القطاع العام، فإنهم ما يلبثون أن يمنُّوا النفس بواحدة جديدة لعلها تتحقق. ويمكن فهم هذا الإصرار على التفاؤل نظراً إلى أمرين: أولهما الواقع الاقتصادي والمعاشي المأساوي الذي يعاني منه العاملون في القطاع العام ويضعهم في احتياج مستمر، وثانيهما العادة التي رسختها سلطة النظام البائدة حتى أصبحت ضمن التقاليد والأعراف. فمَن منا لا يعلم في قرارة نفسه أن كل ما يندرج تحت هذه العناوين الترويجية لا يتعدى كونه أحد أدوات الهروب السلطوية من الاستحقاقات والواجبات غير المنجزة؟ وإن كان لها تأثير إيجابي ما مؤقت، إلا أنها تعبّر بحد ذاتها عن واقع سلبي متجذر وأصيل. فالمنحة لا تكون إلا زيادة على الحق الأساسي، والمكرمة لا تكون إلا بما فوق الحاجة والاحتياج. وهذا ما لم يحصل في تاريخه، ولن يحصل الآن، ليس من باب التشاؤم أو التحامل على ولاة الأمر، بل لأنها من مشكاة واحدة، ألا وهي الترقيع بدل التغيير، والتسكين بدل العلاج.

نشر تلفزيون سورية عبر موقعه الإلكتروني الرسمي تقريراً صحفياً للكاتب طارق صبح بتاريخ 25 شباط 2026، تناول فيه موضوعة النقابات والاتحادات المهنية والطلابية في سورية، واضعاً سؤالاً مركزياً هو: هل تستطيع النقابات في سوريا اليوم أن تستعيد دورها وتتحول إلى شريك فعلي في بناء المجتمع الجديد؟ أم أن المرحلة الانتقالية ستتجاوزها، أو تعيد توظيفها ضمن منطق السلطة ذاته؟ ونظراً لأهمية التقرير ومحاوره، وغناه بالأسئلة التي أجاب عنها التقرير والتي تحتاج إلى إغناء ونقاش أوسع، ينبع من استيعاب الواقع الحالي الذي تعيشه البلاد والنقابات ضمناً، أفردنا هذه المساحة للإضاءة على أهم ما جاء به، خاصة أنه من الموضوعات التي لا تحظى بالاهتمام الإعلامي والبحثي الكافي.

الصفحة 9 من 404