Skip to main content

نقابات وعمّال (5655)

لم تعد أوضاع العمال في سورية تحتمل المعالجات الجزئية أو الحلول المؤقتة. فالفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتآكل الحماية الاجتماعية، كلها مؤشرات على خلل بنيوي عميق في سوق العمل. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن إنقاذ العمال؟ وإذا كان الجواب نعم، فما الذي يمكن فعله عمليّاً ضمن الظروف القائمة، وما الذي يبقى في إطار المطلوب على المدى الأبعد؟

شهد مبنى اتحاد محافظة طرطوس لنقابات العمال حضور 205 موظفين من العاملين في مركز البحوث الزراعية في طرطوس، وذلك عقب عدم تجديد عقودهم المنتهية في نهاية شهر آذار الماضي. والتقى خلالها العمال برئيس اتحاد عمال طرطوس وبحضور نقابة التنمية الزراعية، لوضعهم بصورة أوضاعهم ومحاولة الاستفسار عن جملة من القضايا المتعلقة بهم، معترضين على عدم صدور قرار تجديد عقودهم وانعكاس ذلك على عمل المؤسسة الحكومية من جهة وعلى وضعهم الاجتماعي والمعيشي والوظيفي من جهة أخرى، خاصة أنه لم يتم إبلاغهم بذلك قبل مدة، وبأنهم تفاجؤوا به. وللعلم، فإن قرار تجديد العقود في الجهات الحكومية يعود إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية – شؤون مجلس الوزراء وفق المادة (ج) من القرار 2533/ص الصادر بتاريخ 27-8-2025.

كنت حريصاً على أن أرصد آراء بعض المشاركين في احتجاج 17 نيسان، وهذا لم يكن ممكناً خلاله، بل كان لا بد من الانتظار حتى انفضاض الحشود كي أحظى بجلسة هادئة مع أحد المحتجين الشباب الذين تواجدوا في ساحة يوسف العظمة يحمل لافتة ورقية صغيرة وبسيطة كُتب عليها بخط اليد «بدنا نعيش». لم يكن الشاب ماهر مهتماً بالإعلام رغم محاولات العديد من الوسائل والمواقع الإعلامية لأخذ حديث منه. كيف لا، وهو بوقفته الصلبة وظهره المشدود وعقدة حاجبيه الحازمة وصوته الصدّاح كان ملفتاً للنظر. لكنه لم يكن مهتماً بالتصريح والتصوير والإدلاء، بل كان مركزاً على كل حدث صغير يجري حوله. حين علم أني إعلامي ومهتم بالحديث معه على «رواق» بعد انتهاء الاحتجاج لنحتسي القهوة معاً، وبأنني فقط أريد أن أعرف لماذا شارك اليوم، اهتم للأمر واتفقنا على جلسة فنجان قهوة في أحد المقاهي الشعبية القريبة من ساحة الاعتصام.

شهدت ساحة يوسف العظمة في ذكرى الجلاء اعتصاماً لافتاً للسوريين، رفع فيه المحتجون شعارات بسيطة في صياغتها عميقة في دلالاتها: «بدنا ناكل، بدنا نعيش»، «سوريا ليست للبيع»، «لا للخصخصة»، «لا بيع للمشافي»، «لا لرفع أسعار الخدمات الأساسية». هذه العبارات التي قد تبدو بديهية في أي سياق طبيعي، تكشف في الحالة السورية عن تحول خطير في سلم الأولويات، إذ لم تعد المطالب متعلقة بتحسين شروط الحياة أو تطويرها، بل باتت تدور حول الحد الأدنى من البقاء.

أمام سوء الأوضاع المعيشية والأزمات المتلاحقة والتدهور المستمر في معظم المجالات والمؤسسات، وفي ظل غياب أي أفق لحلول جدية تُذكر، بل وتدفق سيل من الفقاعات الدخانية الإعلامية التي يراد منها إضعاف الرؤية وتشتيت الانتباه وتسخيف الحقائق الملموسة، يعود العمال والموظفون للتأكيد على حقهم في الدفاع عن مطالبهم، وخاصة بعد أن أوصلهم التدهور المستمر في الأوضاع إلى حافة الجوع. لتشهد الجزيرة السورية سلسلة من التحركات المطلبية والإضرابات العمالية عن العمل في العديد من المؤسسات، من بوابة محافظة الحسكة هذه المرة وبمختلف نواحيها ومناطقها، أولها إضراب جامعة قرطبة في القامشلي.

تعتمد السلطات السورية الحالية في زيادة الرواتب أسلوب الزيادات النوعية لبعض فئات الموظفين باختصاصات معينة دون بقية الموظفين، وهذا الأسلوب جديد على القطاع العام في سوريا، بينما ينص قانون العاملين الأساسي في الدولة على أن أي زيادة تصدر بموجب مراسيم جمهورية تشمل جميع الموظفين دون استثناء وتشمل جميع قطاعات الدولة ومؤسساتها.

نشرت صفحة «صوت عمالي في الجمهورية العربية السورية» خبراً نقتطف منه: «عقد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال اجتماعاً مع معاون وزير الطاقة لشؤون الكهرباء، المهندس عمر شقروق، وبحضور رئيس الاتحاد المهني للكهرباء ورئيس اتحاد عمال دمشق وريفها وأمين السر ورئيس نقابة عمال كهرباء دمشق وريفها.

في كل أزمة اقتصادية لا تتوزع الخسائر بالتوازي، فبينما تمتلك بعض الفئات القدرة على التكيف أو امتصاص الصدمات، تجد فئات أخرى نفسها في مواجهة مباشرة مع تداعيات قاسية تتجاوز حدود الاحتمال.

الصفحة 8 من 404