Skip to main content

نقابات وعمّال (5655)

عاد عمال شركة زنوبيا للسيراميك في ريف دمشق إلى الإضراب مجدداً، رافعين مطالب تتعلق بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل والتأمين الصحي واحترام الحقوق العمالية الأساسية. ورغم أن هذا الإضراب يأتي في ظروف سياسية مختلفة عن تلك التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، إلا أن المتابع لتاريخ الحركة العمالية في الشركة، وخصوصاً من خلال التغطيات المتواصلة التي نشرتها جريدة قاسيون على مدار أكثر من عقد، يلاحظ حقيقة جوهرية: مطالب العمال اليوم هي إلى حد كبير ذاتها مطالب الأمس، لأن الأسباب التي أنتجتها ما زالت قائمة، بل وتزداد حدة كل يوم.

يعد حق الإضراب أحد أهم الحقوق التاريخية التي انتزعتها الطبقة العاملة عبر عقود طويلة من النضال الاجتماعي والنقابي. فهذا الحق لم يُمنح للعمال كهدية من أحد، بل جاء نتيجة صراعات مريرة خاضها العمال في مختلف أنحاء العالم دفاعاً عن كرامتهم الإنسانية وحقهم في العمل اللائق والأجر العادل وظروف العمل الآمنة. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الإضراب باعتباره مجرد توقف عن العمل أو وسيلة ضغط عابرة، بل بوصفه الأداة الأساسية التي تمتلكها الطبقة العاملة للدفاع عن مصالحها في مواجهة اختلال موازين القوة داخل المجتمع.

أعلن الاتحاد العام لنقابات العمال عن حزمة قرارات تنظيمية ونقابية نتجت عن اجتماع موسع ضم أعضاء المكتب التنفيذي، ورؤساء اتحادات نقابات العمال في المحافظات، والذي عقد في دمشق قبيل عطلة عيد الأضحى، ورغم الترحيب المبدئي للنقابيين بمجمل ما خرج به الاجتماع، إلا أنها بقيت ضمن إطار الحذر والترقب، فهي وإن عالجت أكثر من قضية تنظيمية ونقابية داخلية بغاية الأهمية، إلا أنها بقيت مجرد عناوين عريضة لم تُرفق بآلية التنفيذ والمعايير التي تضمن تحولها إلى واقع ملموس وتطبيق كامل، ناهيك عن غياب عناوين وقضايا أساسية أكثر أولوية وجوهرية وأهمية، وكالعادة اكتفى المكتب التنفيذي بإعلان هذه الحزمة بمنشور على صفحته الخاصة على تطبيق فيسبوك، دون صورة رسمية لها في سلوك مشابه للكثير من المؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية الأخرى.

ما زالت الجهات الحكومية المسؤولة تتعاطى مع قضايا عمال وموظفي القطاع العام بشكل جزئي وانتقائي، دون أن تعمل على الحلول الجذرية الشاملة، وضمان معايير وقواعد واضحة وقانونية وموضوعية، وما يزيد من أضرار الحلول الارتجالية والإسعافية المتبعة، عدم توحيد الإجراءات بين الجهات العامة، فلكل وزارة طريقتها الخاصة بالمعالجة أو الممانعة، ولكل مديرية أو معمل أسلوب وإجراءات، وهذا ما يزيد من فوضى القرارات ونتائجها، ومع كل غياب لقرار مركزي شامل تمضي الوزارات والجهات الحكومية الأخرى بجملة من القرارات والإجراءات الخاصة بها، كما حصل بموضوعة المكافآت والمنح المقدمة قبل عيد الأضحى، فمع غياب أي قرار بمنحة مالية للعاملين في القطاع العام، بادرت جهات لإقرار مكافأة لعامليها، في حين أمتنعت جهات أخرى عن ذلك، وهذا ما حصل بأكثر من قضية، كتجديد العقود السنوية والإجازات المأجورة والتقييم العام للأداء الوظيفي، وتعبئة الشواغر وغيرها.. والتي تم تدارك العديد منها من قبل شؤون رئاسة الوزراء، كما حصل بقرار إنهاء الإجازات المأجورة، وتعاميم تجديد العقود.

لم تعد أزمة الشباب اليوم تقتصر على البطالة فقط، بل أصبحت تمتد إلى ما هو أعمق وأخطر: العمل بلا مستقبل. فهناك ملايين الشباب الذين يستيقظون كل صباح، يذهبون إلى أعمالهم، يبذلون الجهد والوقت والطاقة، ثم يكتشفون في نهاية كل شهر أنهم لم يقتربوا خطوة واحدة من تحقيق أحلامهم الأساسية، إنهم يعملون، لكنهم لا يتقدمون يكسبون المال، لكنهم لا يبنون حياة، ومع مرور السنوات، يتحول العمل من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى مجرد وسيلة للبقاء.

ما إن خرجت الإجراءات التنفيذية للمرسوم الخاص بزيادة الأجور رقم (67) على الإعلام حتى حصلت إشكاليات بما يخص بعض مواده وبنوده، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بالحاصلين على زيادة الترفيع 9% الروتينية القانونية، المنصوص عنها بقانون العاملين الأساسي رقم (50) الذي ما زال نافذاً إلى اليوم، وما زاد الاعتراض على الإجراءات التنفيذية، أنه بأحد بنود الإجراءات التنفيذية قد ورد « كل جهة قبضت الترفيعة فعليها استرجاع مبلغ الترفيعات وحسمها من رواتب حزيران 2026» في مخالفة واضحة لقانون العمل من جهة، ولمواد المرسوم من جهة أخرى، علماً أن الجهاز المركزي للرقابة المالية أقر الزيادة وفق القانون، كون الترفيعة مستحقة أصلاً عن عامين سابقين (2024-2025) وعن نسبة دوام قد حققها العامل خلال فترة سابقة، بالإضافة إلى تقييم أداء العامل من قبل مدرائه المباشرين، فأين يكمن التناقض ما بين المرسوم والإجراءات؟

تشهد المنظمة العمالية استياء عاماً بين الأوساط العمالية والنقابية بفعل المركزية الشديدة المفروضة عليها، ولا تخلو هيئة تنظيمية بالجسد التنظيمي من هذا الاستياء، بعضه القليل المعلن، وأغلبه الكثير المبطن، خاصة بالمرحلة التي تلت سقوط سلطة النظام البائدة، كونها اشتدت بشكل غير مسبوق، وبأسلوب مباشر ومعلن، وبكافة الجوانب التنظيمية والمالية، وحتى الإعلامية، فليس مسموحاً اليوم لأي لجنة نقابية، أو نقابة، النشر الإعلامي على صفحاتها الخاصة على السوشيال ميديا، بل يجب الالتزام بما تنشره الهيئة الأعلى فقط، وبالجانب المالي، تم إحداث صندوق مركزي للمنظمة، ألغى به أي استقلالية مالية للنقابات، مهما بلغت موازنتها، وأما تنظيمياً، فصلاحية أي هيئة تقتصر على الاقتراح بالترميم والتعيين، والقرار فقط للاتحاد العام الذي يمسك بكل شيء، ويقرر كل شيء، بعيداً عن مفهوم الديمقراطية المركزية المفترض أنه مبدأ أساسي في المنظمات الشعبية.

الصفحة 6 من 404