نقابات وعمّال (5655)
يعتبر إصدار دستور جديد في بلادٍ ما تتويجاً لمرحلة جديدة أدّت إلى ظهورها مجموعةٌ من المتغيّرات، على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فرضت نفسها على أرض الواقع. وإنّ إنكار البعض لهذه المتغيرات أو تجاوزها وعدم أخذها في عين الاعتبار يؤدي الى حدوث أزمات قد تؤدي إلى كوارث، والأزمة السورية مثالٌ على ذلك، فتجاهل الدولة لمشاكل الفقر والبطالة والفساد والتهميش طوال السنين الماضية أدى إلى انفجار أزمة كادت تؤدي إلى تفتيت البلاد.
إنْ كان الأجر الذي تتقاضاه 300 ألف شهرياً فأنتَ قادر على شراء كنزة صوف من النوع التجاري الثالث وجاكيت مطري متوسط الجودة، أو ستشتري أربع بيجامات شتوية ولّادي «بازارية»، أو ستشتري بها «مانطو» نسواني طويل من الجوخ الرديء، أيْ أنك يا صديقي ستضحّي براتب شهر كامل لتشتري جزءاً صغيراً من احتياج نفسك أو أحد أفراد عائلتك من الكساء الشتوي. أمّا إنْ كنت تعمل ليلاً ونهاراً في أكثر من عمل، وتُعَدُّ من أصحاب الأجور «عالية الشأن» أيْ أكثر من مليونَي ليرة، فربما تنجح في شراء كسوة العائلة الشتوية خلال ثلاثة أشهر فقط، وستفتح أنت وعائلتك أفواهكم للهواء والله المستعان.
لن نجد من يعترض علينا إنْ قلنا بأنّ الوجبات الثلاث المشبِعة أصبحت ترفاً تحتكرهُ قلّة قليلة من السوريين، ومن المؤكَّد أنَّ الأسر العمّالية المعتمِدة على الأجور ليست منهم، ليس لأنّهم لا يرغبون بها وهم الأكثر احتياجاً لها، بل لأنّ الأجر الأعلى في سوق العمل غير قادر على سد احتياجات الأسرة السورية من الطعام والشراب. وهنا يأتي السؤال: ماذا تأكل الأسر العمّالية كي تبقى على قيد الحياة؟ وهل ترتقي هذه الظاهرة لفكرة الإعجاز؟ وإنْ كانت كلُّ المؤشِّرات والدراسات، وعلى رأسها الصادرة عن الأمم المتحدة، تؤكّد أنّ أكثر من نصف السوريين باتوا فاقدين للأمن الغذائي الذي يؤثِّر بشكلٍ مباشر على الأمن الصحي والتعليمي والاجتماعي والوطني أيضاً، فهل فعلاً سقطت مقولة «ما حدا بنام جوعان بالبلد» أم هناك روايةٌ خيالية يحبّها البعض ويتغنّى بها.
بصراحة .. معركة العمال مستمرة مع رأس المال
Written by محمد عادل اللحاميتبين الصراع الآن ويتوضح أكثر بين رأس المال وقوة العمل في المعارك الطبقية الدائرة رحاها في الساحات الأوروبية، من أجل كسر حالة الاستغلال التي يمارسها رأس المال، على طريق إزالته في حال توفرت الظروف والعوامل المُواتية لعملية الإزالة تلك، وأهمها وجود قوى ثورية قادرة على رؤية المتغيرات الجارية في ميزان القوى على كل الأصعدة، وبالتالي وضع برامجها على أساس تفسير صحيح للواقع من أجل تغييره.
العزوف عن العمل أصبح خياراً للكثيرين نتيجة لتدني الأجور والرواتب، وانسداد أفق السياسات الحكومية المتّبعة حتى الآن أمام إيجاد حل للمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد السوري، والذي يتم تحميلُ نتائجها لأصحاب الأجور فقط، مع العلم أنّ معظم الأزمات الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد هي نتيجةٌ أوصلتها إليها السياسات الاقتصادية للحكومات السورية المتعاقبة منذ عام 2005، وتبنيها لـ«اقتصاد السوق الاجتماعي» الذي مهَّدَ الأرضية المناسبة لانفجار الأزمة عام 2011، والتي تواجِهُ عراقيلَ على طريق حلّها رغم مرور كل هذه السنين، وما زاد من تأثير الأزمة على الواقع الاقتصادي والمَعيشيّ للسوريين هو إمعان قوى الفساد في استثمار الأزمة والعمل على ضمان استمرارها وتعميق فسادهم وزيادة نهبهم للدولة والمجتمع دون وجود رادعٍ لهم.
تؤثّر الأوضاعُ الاقتصادية والمعيشية المتأزِّمة ونتائجها السلبية بشكلٍ كبير على مناحي حياة العمال كافة، حيث العمال هم الأكثر ضعفاً في مواجهة هذه الأزمات، جرّاء الكثير مِن العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتتحمّل النقابات مسؤوليةً حقوقية ذات طابع اجتماعي واقتصادي إزاءَ الطبقة العاملة التي تمثِّلُها. وبالانطلاق من هذه المسؤولية تحتاج الحركة النقابية إلى نقابيِّين ذوي مواصفات وسمات لا بدّ أنْ تتوفّر لديهم، لكي تستطيع الحركة النقابية تطوير عملها النقابي، في تَبَنٍّ حقيقيّ لقضايا العمال وأنْ تواكب المتغيرات والتحدّيات التي تواجه العمال، فالنقابي الجديد اليوم لا بدَّ له من معرفة الدور والمهمّة التي يجب أن يحملها النقابيّ لتمثيلِ العمّال والدفاع عن مصالحهم بكلّ ثقةٍ وإيمان بحقوق العمال.
لطالما تمّ الحديث الرسمي عن خطورة ظاهرة هجرة القوى العاملة والكفاءات المهنية والفنية، بحثاً منهم عن حياة أفضل نتيجةً للحرب التي ضربت البلاد طوال السنوات السابقة، والتأثيرات السلبية والكارثية لهذه الظاهرة على الاقتصاد الوطني، دون أي إشارة إلى كيفية معالجة هذه الظاهرة أو الحد من خطورتها عبر الوقوف عند أسبابها الأساسية والاقتصادية تحديداً، خاصة في ظل السنوات القليلة السابقة للأزمة التي اتسمت بأزمة اقتصادية نتيجة السياسات المتبعة ومحاربة السوريين بلقمة عيشهم.
صحّة العمّال المهنية والتجربة الألمانيّة الشرقيّة
مؤسسة أبحاث tricontinentalفي ألمانيا الشرقية، حظيت صحة العمال بأهمية كبيرة منذ البداية، ولهذا من المهم أن نأخذ أبرز ما جاء في هذه التجربة. في عام 1947، أثناء الفترة التي كانت فيها ألمانيا لا تزال تحت سيطرة القوى الحليفة الأربع، أصدرت الإدارة العسكرية السوفييتية الأمر رقم 234، الذي نصّ على أنّ أماكن العمل التي تضم أكثر من 200 موظف عليها أن تُنشئ مراكز طبية، في حين كان على أماكن العمل التي تضم أكثر من 5000 موظف أن تخصص منشأة للعيادات الخارجيّة متعدّدة التخصّصات. وفي غضون ثلاث سنوات، تم إنشاء 36 منشأة عيادات متعددة التخصصات، وبلغ عددها بحلول عام 1989 أكثر من 150 منشأة.
More...
من المؤكد أن فرص العمل والأجور من أكثر القضايا إلحاحاً، ومن أكثر القضايا التي يجري تداولها على ألسنة من يبيعون قوة عملهم، سواء العضلية منها أو الفكرية. فهنا لا فرق بين الاثنتين من حيث النتيجة النهائية، وهي ضرورة تحسين الوضع المعيشي، المتناسب مع غلاء الأسعار، التي تقفز الآن قفزات متسارعة لا يمكن للأجور الحالية إدراكها، أو الوصول إلى حاله قريبة منها، مما يعني استمرار الحال على ما هو عليه من بؤس وحرمان للعاملين بأجر، ما يعني انقسام المجتمع إلى فريقين أساسيين ناهبين ومنهوبين، يجري الصراع بينهما.
لا بد قبل الحديث عن قوانين الاستثمار والتشاركية، بحث قوانين المتعلقة بالعمل وتعديلها بما يلائم متطلبات المرحلة المقبلة، بعد التوصل إلى حل سياسي للأزمة في البلاد واستعداد الشركات للتوجه نحو إعادة الأعمار. وخاصة مع قدوم الشركات الأجنبية إلى البلاد، مما يتوجب إصدار قوانين عمل تحمي العمال وتوفر لهم الحماية القانونية الكافية لحقوقهم لإقامة علاقات عمل متوازنة بين طرفي الإنتاج (العمال وأرباب العمل).
قدمت رئاسة مجلس الوزراء بيانَها الوزاري المُقَرّ بالمرسوم رقم /232/ لعام 2024 أمام مجلس الشعب يوم 20/10 في أعمال جلسته السادسة من الدورة العادية الأولى للدور التشريعي الرابع. وحاول بيانها الوزاري أنْ يغطّي الكثير من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية...إلخ. إلّا أنّنا لن نأتي في هذه المادة على كل ما جاء في هذا البيان الحكومي، ولكن ما يهمّنا في هذا المقام هو ما يتعلّق بالطبقة العاملة وعموم العاملين بأجر.













